وكون القلب هو الأداة الأساسيّة التي يستند إليها العرفاء للتوصّل إلى المعارف اليقينيّة مسألة تسالم واتّفق عليها أهل العرفان والتصوّف ، كما تتّفق كلماتهم وأقوالهم على إنكار قدرة العقل على أداء دور القلب والقيام بوظيفته في ذلك ، لأجل ذلك يقول ابن عربي : « فالقلب عند الصوفيّة هو محلّ الكشف والإلهام ، وأداة المعرفة ، والمرآة التي تتجلّى على صفحتها معاني الغيب » « 1 » .
فالفلسفة إذن تعتمد في استدلالاتها على المبادئ والأصول العقليّة ، بينما يجعل العرفان من المكاشفات مادّة رئيسيّة في استدلالاته ، وبعد ذلك يقوم بتوضيحها وتبريرها عقلًا .
ثانياً : هدف المعرفة في العرفان
إنّ الإيمان والاعتقاد بكون العرفان علماً من العلوم الإسلاميّة وفرعاً من فروعها المعرفيّة يستدعي القول بأنّه يهدف إلى تحقيق أمر معيّن ، فما هو الهدف الذي يسعى العرفان إلى تحقيقه ؟ وما هي مبرّرات وجوده وغايته ؟
اتّفقت كلمات العرفاء وأقوالهم على أنّ الهدف الأسمى للعرفان هو الوصول إلى الحقّ سبحانه والفناء فيه ، بحيث يصل العارف إلى مرتبة لا يرى فيها إلّا الله تعالى ، ولا يبصر إلّا وجهه تعالى ، وهذا الهدف يشمل العرفان بكلا قسميه النظري والعملي . أمّا الأداة والطريق الموصل إلى هذا المقام فهو - كما ذكرنا - القلب وتزكية النفس والمجاهدة وغيرها من طرق السلوك .
نعم ، يبقى أن نقول بأنّ العرفان النظري يقوم بدور أساسيّ في هذا المجال حيث يسعى العارف من خلاله إلى العلم بالله تعالى وأسمائه وصفاته . . وهذه المعرفة الحقيقيّة تنتج سيراً وسلوكاً نحو التوحيد الحقيقي . وهناك ما يشبه تبادلًا للأدوار ما بين قسمي العرفان لتحصيل الهدف ، فالعرفان
هامش
( 1 ) فصوص الحكم ، محيي الدِّين ابن عربي ، دار الكتاب العربي ، بيروت ، الطبعة الثانية ، 1980 م : ج 2 ، ص 4 .