استكملنا معرفته والعلم بأحواله .
وأمّا إذا لم نجده ولم نعرفه بنحو المشاهدة والحضور ، وتوسّلنا إلى معرفته بالصفات لم نعرف منه إلّا أموراً كلّية لا توجب له تميّزاً عن غيره ولا توحيداً في نفسه ، كما لو لم نرَ مثلًا زيداً بعينه ، وإنّما عرفناه بأنّه إنسان أبيض اللون ، طويل القامة ، حسن المحاضرة ، بقي على الاشتراك حتّى نجده بعينه ثمّ نطبّق عليه ما نعرفه من صفاته . وهذا معنى قوله ( ع ) : «
إنّ معرفة عين الشاهد قبل صفته ، ومعرفة صفة الغائب قبل عينه
» . ومن هنا يتبيّن أيضاً أنّ توحيد الله سبحانه حقّ توحيده أن يعرف بعينه أوّلًا ، ثمّ تُعرف صفاته لتكميل الإيمان به ، لا أن يعرف بصفاته وأفعاله فلا يستوفى حقّ توحيده . وهو تعالى الغنيّ عن كلّ شيء ، القائم به كلّ شيء ، فصفاته قائمة به ، وجميع الأشياء من بركات صفاته من حياة وعلم وقدرة ، وخلق ورزق وإحياء وتقدير وهداية وتوفيق ونحو ذلك . فالجميع قائم به مملوكٌ له محتاجٌ إليه من كلّ جهة .
فالسبيل الحقّ في المعرفة أن يعرف هو أوّلًا ، ثمّ تعرف صفاته ، ثمّ يعرف بها ما يعرف من خلقه لا بالعكس .
لذا قال ( ع ) بعد ذلك - في الحديث السابق - : «
تعرفه وتعلم علمه وتعرف نفسك به ولا تعرف نفسك بنفسك من نفسك
» ، ثمّ أشار إلى قوله تعالى : إِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهذَا أَخِي ( يوسف : 90 ) فعرفوه به ولم يعرفوه بغيره ولا أثبتوه من أنفسهم بتوهّم القلوب » .
الخلاصة
يمكن تلخيص الفوارق العامّة بين الفلسفة والعرفان بما يلي :
أوّلًا : الأداة والمنهج : ينطلق الفيلسوف وأداته العقل ، بينما ينطلق العارف وأداته القلب والمشاهدة ، فالمعرفة عند الفلاسفة والحكماء تكتسب بالعقل ،