تخطي إلى المحتوى الرئيسي

كمال الحيدري (قراءة في السيرة والمنهج) — صفحة 658

مساهمون:

ص٦٥٨
ولذا أطلق عليهم أرباب العقول لاعتمادهم على البرهان والاستدلال العقلي ، أمّا عند العرفاء فإنّها تكتسب بالقلب ، من هنا أطلق عليهم لقب أرباب القلوب ؛ فطريق الحكيم غير طريق العارف ، فإنّ الأوّل طريقه هو المنطق والبرهان ، بينما الثاني هو التزكية والتصفية والسير والسلوك . من هنا امتاز العرفان عن الفلسفة ، بأنّه يقوم على أساس الرياضات الروحيّة والمجاهدات النفسيّة ، وترويض النفس وتنقية القلب ، وهذا بخلاف الفلسفة القائمة على أساس البرهان والاستدلال العقلي . ثانياً : ينطلق الفيلسوف من الممكنات والآثار والآيات حتّى تصعد السلسلة إلى واجب الوجود تعالى ، وهو المنهج الإنّي ، بينما ينطلق العارف من الله سبحانه وتعالى ثمّ يعود إلى خلقه وآياته « يا مَن دلَّ على ذاته بذاته » . ثالثاً : إنّ الحكيم يرى أنّ الكمال الإنساني هو أن يدرك بعقله الكون على ما هو عليه ، حتّى يكون للعالم وجود عقلانيّ ، فيغدو هو عالماً عقليّاً مضاهياً للعالم العيني ، بينما العارف لا يكتفي بذلك وإنّما يروم الوصول إلى كنه الوجود حتّى يشاهده ويتّصل به ، فكمال الإنسان لا ينحصر لدى العارف بمجرّد أن يكوِّن تصوّراً عن الوجود في ذهنه ، بل لابدّ عليه أن يسير ويتّجه نحو المبدأ الذي أوجده ويحطّم الفواصل بينه وبين ذات الحقّ تعالى ويتقرّب منه حتّى يفنى فيه ويبقى ببقائه « 1 » . ثالثاً : من الفوارق بين المدرستين أو الرؤيتين الموقف من الموجود نفسه ، ففيما يقول العارف بوحدة الوجود الشخصيّة ، نرى أنّ المدارس الفلسفيّة تختلف وتقول بتعدّد الوجود حقيقةً ، أو بتعدّد مراتبه وإن كان الوجود حقيقة واحدة مشكّكة .
هامش
( 1 ) الكلام - العرفان - الحكمة العمليّة ، مصدر سابق : ص 64 .