والآثار هي الغائبة .
وهذا ما تجد له إشارات واضحة في الآيات الكريمة كما تقدّم في قوله تعالى : أَ لَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِناً ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا ( الفرقان : 45 ) ؛ أي لم نجعل الظلّ دليلًا على الشمس ، بل جعلنا الشمس دليلًا على وجود الظلّ .
قال الطباطبائي في ظلّ قوله : ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا : « الدليل هي الشمس من حيث دلالتها بنورها على أنّ هناك ظلًّا ، وبانبساطه شيئاً فشيئاً على تمدّد الظلّ شيئاً فشيئاً ، ولولا ذلك لم يتنبّه لوجود الظلّ » « 1 » .
وفي دعاء الإمام الحسين ( ع ) في عرفة : «
إلهي تردّدي في الآثار يوجب بُعد المزار ، فاجمعني عليك بخدمة توصلني إليك
» . فكأنّه ( ع ) يقول : ياربّ أوصلني إليك بشكل مباشر لا من خلال الآثار ، فأرتبط بك مباشرةً .
ثمّ إنّ الإمام ( ع ) يبيّن الحيثيّة والسبب في طلبه الارتباط به تعالى مباشرةً ؛ وذلك لأنّه سبحانه وتعالى هو الحاضر والآثار هي الغائبة ، لا أنّ الآثار هي الحاضرة والله هو الغائب ، ولذا يقول ( ع ) : «
كيف يستدلّ عليك بما هو في وجوده مفتقرٌ إليك ، أيكون لغيرك من الظهور ما ليس لك حتّى يكون هو المظهر لك ، متى غبت حتّى تحتاج إلى دليل يدلّ عليك ؟ ومتى بعُدت حتّى تكون الآثار هي التي توصل إليك ؟ عميت عينٌ لا تراكَ عليها رقيباً
» . « 2 »
وفي ما ورد عن الإمام الصادق ( ع ) أنّه قال : «
إنّ معرفة عين الشاهد قبل صفته ، ومعرفة صفة الغائب قبل عينه
» « 3 » .
هامش
( 1 ) الميزان في تفسير القرآن ، مصدر سابق : ج 15 ص 225 .
( 2 ) مفاتيح الجنان ، الشيخ عباس القمّي ، أعمال عرفة .
( 3 ) تحف العقول عن آل الرسول ، ألّفه الشيخ الجليل الثقة الأقدم أبو محمد الحسن بن علي بن شعبة الحرّاني ، مؤسسة النشر الإسلامي - جماعة المدرّسين ، قم ، ص 325 .