تخطي إلى المحتوى الرئيسي

كمال الحيدري (قراءة في السيرة والمنهج) — صفحة 656

مساهمون:

ص٦٥٦
إذن فمعرفتنا بالله تعالى أيّ المعرفتين ؟ أمعرفة الصفة قبل العين ، أم العين قبل الصفة ؟ فهنا المنهج الفلسفي المشائي يرى بأنّ معرفة الصفة تكون قبل العين ، وأمّا المنهج العرفاني فإنّه يرى بأنّ المفروض أن تكون معرفة العين قبل معرفة الصفة . وتوضيح هذه الحقيقة هي أن يُقال : إنّ حقيقة كلّ شيء - كائنة ما كانت - هي عينها الموجودة في الخارج . فحقيقة زيد مثلًا هي هذه الحقيقة الإنسانيّة الموجودة في الخارج ، وهو الذي يتميّز بنفسه عن كلّ شيء ولا يختلط بغيره ولا يشتبه شيء من أمره هناك - أي في الواقع الخارجي - مع من سواه . ثمّ إنّا ننتزع منه معاني ناقلين إيّاها إلى أذهاننا نتعرّف بها حال الأشياء ونتفكّر بها في أمرها ، كمعاني الإنسان وطويل القامة والشابّ وأبيض اللون وغير ذلك ، وهي معان كلّية إذا اجتمعت وانضمّت أفادت نوعاً من التميّز الذهني نقنع به ، وهذه المعاني التي ننالها ونأخذها من العين الخارجيّة هي آثار الروابط التي بها ترتبط بنا تلك العين الخارجيّة نوعاً من الارتباط والاتّصال ، كما أنّ زيداً مثلًا يرتبط ببصرنا بشكله ولونه ، ويرتبط بسمعنا بصوته وكلامه ، ويرتبط بأكفّنا ببشرته ، فنعقل منه صفة طول القامة والتكلّم ولين الجلد ونحو ذلك . فلزيد مثلًا أنواع من الظهور لنا تنتقل بنحو إلينا ، وهي المسمّاة بالصفات ، وأمّا عين زيد ووجود ذاته فلا تنتقل إلى أفهامنا بوجه ، ولا تتجافى عن مكانه ولا طريق إلى نيله ، إلّا أن نشهد عينه الخارجيّة بعينها ، ولا نعقل منها في أذهاننا إلّا الأوصاف الكلّية . ومن هذا البيان يظهر أنّا لو شاهدنا عين زيد مثلًا في الخارج ووجدناه بعينه بوجه مشهوداً ، فهو المعروف الذي ميّزناه حقيقة عن غيره من الأشياء ، ووحّدناه واقعاً من غير أن يشتبه بغيره ، ثمّ إذا عرفنا صفاته واحدة بعد أخرى