تخطي إلى المحتوى الرئيسي

كمال الحيدري (قراءة في السيرة والمنهج) — صفحة 654

مساهمون:

ص٦٥٤

نقطة البداية والنهاية عند العارف والفيلسوف

من القضايا التي يمكن أن تُثار ضمن هذه الأبحاث مسألة نقطة الابتداء ونقطة الانتهاء عند العارف والفيلسوف وأنّها واحدة أم مختلفة ؟ النظرية المشّائية في الفلسفة تبدأ نقطة الانطلاق فيها من الآثار والممكنات والمخلوقات . . . وتنتهي إلى الله سبحانه وتعالى . فالبداية من الإنسان أو من العالم الذي هو الحاضر ، وهذه النظريّة تريد أن تستشهد بهذا الحاضر على غائب وهو الحقّ سبحانه ، ولذا نرى في جملة من كتابات المفكّرين المحدثين أنّ واحدة من الإشكالات المثارة على النظرية أنّها تبدأ من حاضر وتريد أن تنتهي إلى غائب ، وذاك الغائب أيضاً مواصفاته غير معلومة ، وبهذا تحصل مفارقات كبيرة . هذه النظرية كانت هي السائدة ، وهذا هو المنهج المعبّر عنه بالمنهج الإنّي في المنطق ، بمعنى أن تبدأ من المعلول وتنتهي إلى العلّة . أمّا عندما نأتي إلى الرؤية الكونيّة العرفانيّة نجد أنّ المنهج ينعكس تماماً . فالمبدأ يكون هو الحقّ سبحانه وتعالى لأنّه هو الموجود ، وهذا كمَن يريد أن يبدأ من الظلّ . ومن يبدأ من الشمس فالشمس هي الموجودة ولكن الظلّ هو آية تلك الشمس . ومن هنا فإنّ العارف بحسب رؤيته الكونيّة وبحسب مكاشفاته يبدأ من الشمس ، ويبدأ من الوجود ، ثمّ ينتهي إلى الآيات . أي يبدأ منه سبحانه وتعالى وينتهي إلى غيره . وهذا يفرض علينا طرح سؤال وهو : أنّنا عندما نبدأ منه سبحانه وتعالى وننتهي إلى الآثار ، وإلى الآيات ، أيكون هو الحاضر أم هو الغائب ؟ حتماً سيكون هو الحاضر ، وبهذا نلاحظ انعكاس المنهج تماماً ، فهناك كنّا نفترض أنّ الحقّ سبحانه وتعالى غائب ، وهذا العالم هو الحاضر ، أمّا عندما نبدأ في الرؤية العرفانيّة نبدأ من الحقّ الذي هو حاضر ويكون عالم الآثار
كمال الحيدري (قراءة في السيرة والمنهج) — صفحة 654 | حميد مجيد هدو