بفكره إلى قُدس الجبروت مستديماً بشروق نور الحقّ في سرّه يخصّ باسم العارف ، وقد يتركّب بعض هذه مع بعض » « 1 » .
وكان مصطلح العارف رائجاً خلال القرن الثالث الهجري . فقد كان بايزيد البسطامي يستعمل مصطلح العارف مكان الصوفي . فقد قال : كمال العارف هو أن يتبرّأ من المال والمنال ، وإذا أردت أن تفديه بكلّ ما في هذه الدُّنيا والآخرة من أجل أن تكتسب صداقته ، كان هذا الأمر أقلّ ما يمكن أن تفعله تجاهه « 2 » .
وقال أيضاً : العارف لا يرى إلّا المعروف ، والعالم لا يجلس إلّا مع العالم ، فيقول العالم ماذا أفعل ، ويقول العارف ماذا يفعل ؟ « 3 » .
ويسعى العارف من خلال الكشف والشهود والإشراق للوصول إلى الحقائق والتمكّن من العلوم الظاهرة والباطنة ؛ لذلك هو يقول إنّ الذي يدركه العالم ، الحكيم ، والفيلسوف ، بالعقل والمنطق والاستدلال يراه العارف من خلال الإشراق « 4 » .
وفي هذا العرض المتقدّم يمكن لنا أن نستكشف منشأ العرفان - بكلا قسميه - وأصل وجوده في الذهن البشري كطريقة تفكير ومنهج حياة وطريقة سلوك ، والأسباب الداعية إلى وجود مثل هذه المنهجيّة المعرفيّة عند الإنسان .
فليس العرفان منهجاً غريباً وشاذّاً ، بل له أسباب ودواع كغيره من العلوم وطرق
هامش
( 1 ) الإشارات والتنبيهات ، الشيخ أبو علي ، حسين بن عبد الله ابن سينا ، مكتب نشر الكتاب ، الطبعة الثانية ، 1403 ه - : ج 3 ، ص 369 .
( 2 ) تذكرة الأولياء ، فريد الدِّين محمود عطار ، تحقيق محمّد استعلامي ، انتشارات زوار ، إيران ، 1967 م : ص 192 .
( 3 ) المصدر نفسه : ص 193 .
( 4 ) مقدّمات تأسيسيّة في التصوّف والعرفان ، ضياء الدِّين سجّادي ، ترجمة معهد الدراسات الإسلامي للمعارف الحكميّة ، منشورات دار الهادي ، بيروت ، الطبعة الأولى ، 1423 ه - / 2002 م : ص 14 .