وآخرون اعتقدوا أنّ الوصول إلى الحقّ لا يمكن بالنظر الصرف ، بل الطريق إلى ذلك هو الاشتغال بالمجاهدات والرياضات حتّى يتقوّى الإنسان ويتمكّن من معرفة نفسه أوّلًا ، ثمّ باتّساع نفسه وإحاطتها في ظلّ هذا التوسّع على العالم حوله يتمكّن من معرفة العالم بقدر ما يحيط به ويشاهده عين نفسه . وأهل هذه الطريقة تسمّوا باسم العرفاء ، وطريقتهم العرفان العملي .
وبعد ذلك عرض عدّة منهم مكاشفاتهم وما وجدوا في طيّ مراقباتهم على غيرهم ، لكنّها كانت مطالب متفرّقة غير منسجمة ولا مترابطة ، فتصدّى جمعٌ - وفي طليعتهم ابن عربي صاحب كتاب فصوص الحكم - لجمعها وتنسيقها وبيان ارتباطاتها وبعرض تلك المطالب والمشي على سياقها ، وعند ذلك نشأ علمٌ آخر سمّي باسم العرفان النظري .
ولم تكن هذه المطالب قابلة للعرض في المجتمع العلمي بصورة مقبولة ، وإنّما هي ادّعاءات من قبَل قائلها غير قابلة للردّ والإثبات ، فتصدّى جمع آخر لتبيينها البرهاني القابل للعرض على مستوى البحث العلمي ، وكان من أوائل أولئك المجتهدين صائن الدِّين علي بن محمّد التركة في كتابه تمهيد القواعد ، ثمّ داوم المجاهدة حتّى جاء صدر المتألّهين الشيرازي ، وتصدّى بوضع أُصول بنائيّة بيّن بها المعارف النظريّة العرفانيّة بلسان فلسفي - حسب ما قدّر له - وبذلك أوجد خطّاً وسطاً بين العرفان والفلسفة ، سمّاه الحكمة المتعالية « 1 » .
ويعتبر « العرفان » من المذاهب الفكريّة المتعالية والعميقة ، فهو يسعى إلى معرفة الحقّ تبارك وتعالى ومعرفة حقائق الأمور ، وأسرار العلوم ، وطريقته ليست على وفق منهج الفلاسفة والحكماء ؛ بل هي طريقة أتباع منهج الإشراق والكشف والشهود .
هامش
( 1 ) انظر : شرح فصوص الحكم لابن عربي ، صائن الدِّين علي بن محمّد ( ابن تركة ) ، تحقيق وتعليق : محسن بيدارفر ، انتشارات بيدار ، قم ، الطبعة الأولى ، 1420 ه - : ص 3 - 4 ( المقدّمة ) .