كما أنّ المعرفة الحضورية والشهود الباطني تعني تحوّل الإنسان العارف إلى وجود متماسك قويّ محرّك لطاقاته باتّجاهات الكمالات المطلقة ، بل نحو المطلق نفسه جلّت قدرته ، وبهذا التحوّل يكون الإنسان قد طرق أبواب العصمة .
وإذا عرف الإنسان ربّه تحقّقاً فإنّه سوف تغلق دونه جميع دوائر الشرك ، وتغلق أمامه أيضاً جميع دوائر الفقد إلّا حقيقته الفقرية الذاتية .
ولذا فبالمعرفة الحقّة - لا غير - يتحوّل الإنسان من القاصرية إلى الكاملية ، ومن الجملة الناقصة إلى الجملة التامّة ، ومن المفعولية إلى الفاعلية .
وينبغي أن يُعلم بأن مَن أراد أن يلج موارد الحضور بآلية الحصول يكون قد خالف الحكمة ، فلا أثر الحصول جنى ولا من ضفاف الحضور دنا ، بل هو من الجهل والجهالات قاب قوسين أو أدنى .
مسؤولياتنا الإلهية
إنّ المسؤولية تجاه النفس والأسرة والمجتمع والتحرّك في ضوئها هي القراءة الصحيحة لكلّ ما يُسمّى امتيازاً في ثقافتنا العامّة .
ولا ريب أنّ من عرف الله تعالى تحقّقاً سوف يكون تحرّكه وأثره في الوجود منبعثاً من التزامه بمسؤوليّاته الإلهية وليس انطلاقاً من امتيازه ، وإن كان امتيازه محفوظاً له كما هو واضح .
ولا ريب بأنّ الوقوف الصوريّ الساذج لا يمنح صاحبه المكنة من النهوض بمسؤوليّاته بشكل مناسب سواء كانت هذه المسؤوليات تجاه نفسه أو أسرته أو مجتمعه أو خالقه سبحانه ، وبذلك تفهم سرّ اقتران الشرك والخرافات بالجهل . وأمّا الوقوف الصوريّ التحقيقيّ فإنّه يكفل للإنسان الحدّ الأدنى من الاتّزان المعرفيّ ويكون تحرّكه وأداؤه لمسؤوليّاته منسجماً مع مرتبة اتّزانه المعرفيّ ، وهذا لا يمنع من وقوع القصور منه بل التقصير أيضاً .