تخطي إلى المحتوى الرئيسي

كمال الحيدري (قراءة في السيرة والمنهج) — صفحة 612

مساهمون:

ص٦١٢
إنّ الإشكالية الحقيقيّة التي يظلّ يعيشها العارف حصولًا - سواء كان ملتفتاً أو غير ملتفت - هي أنّ مادّة وقوفه ومعرفته مجرّد صور ذهنية وليدة لأُمّهات أفكاره ومقدّمات استدلاله فينشأ حبّ وارتباط بينه وهذه الصور الذهنية ؛ ما يعني أنّ حبّه ثمّ إخلاصه سوف يكون لشيء أبدعه هو ورسم ملامحه ، فهو يحبّ ويعيش استدلاله . ولا ريب بأنّ الوقوف الثالث هو زبدة المخاض وغاية المرتاض ، حيث يستحكم الحبّ بقلب العارف حضوراً ، وهذا الحبّ ينتج عنه الإخلاص التامّ لمحبوبه ، ثمّ التدرّج في مراتب الإخلاص حتّى الوصول إلى الاستخلاص فيخرج بذلك من المخلِصية إلى المخلَصية . إنّ الوقوف التحقّقي لا يحتاج معه العابد إلى الانبعاث فهو يعيشه في حركاته وسكناته بالحمل الشائع الصناعي بخلاف الوقوف التحقيقي فإنّ العابد يعيش معه الانبعاث الصوريّ ، أي الانبعاث بالحمل الأوّلي ، ولازم الانبعاث بالحمل الأوّلي هو وقوع الغفلة منه بالحمل الشائع . وأخيراً فإنّ من عرف الله حقّاً وتحقّقاً يكون في دعائه قد عرف مَن يدعوه ، بخلاف من لم يعرف عن ربّه سوى جهالات فإنّ مقصوده في دعائه جهالاته ، ومن لم يعرف عن ربّه سوى صور ذهنية فإنّه لا يخرج عن حريمها مقصوده .

ختام المسك

البحث في معرفة الله تعالى مسك في أوّله ومنتهاه ، وهنا نحن نقف مع آخر سطور هذا المسك المعرفي فهو ختامه في هذا السفر الجليل لا خاتمه ؛ فللبحث نوافذ أخرى وإطلالات تترى يعجز المتتبّع عن حصرها وعدّها فضلًا عن درجها وبيانها ، وقد كان من توفيقاته الجليلة - جلّ ذكره وشأنه - أن أتحفنا بعطاياه المعرفية التي لا تنفد ، فأمدّنا بعون جزيل كان أثره واضحاً
كمال الحيدري (قراءة في السيرة والمنهج) — صفحة 612 | حميد مجيد هدو