وأمّا الوقوف الشهودي التحقّقي فإنّه يولّد اتّزاناً معرفياً كاملًا ورؤية كونية متكاملة فيكون تحرّكه منضبطاً ودقيقاً وصحيحاً ومؤثّراً .
إنّ العارف حصولًا وتحقيقاً سوف يبقى طالباً لمشاهدة ما أقام الدليل عليه ، وحيث إنّه يعجز عن تحقيق ذلك فإنّه يبقى يعيش دوّامة خفيّة وإشكالية معرفية لا خلاص له منها إلّا بالتحقّق المعرفيّ .
وهذه الإشكالية المعرفية هي ما نعبِّر عنه بالاتّزان المعرفي الناقص أو القاصر ، بخلاف الأثر المعرفيّ للمعرفة الحقّة والوقوف التحقّقيّ .
آثار أُخرى لمعرفتك بالله تحقّقاً
إنّ الواقف على معرفة الله تعالى تحقّقاً سوف يتسنّى له الأخذ بيد الآخرين وتقديم إجابات معرفية حقّة تملأ الوجدان ويُسلم معها العقل .
كما أنّ من عرف الله تعالى حصولًا لا تضمن له معرفته هذه حصول اللقاء بينه وبين ربّه جلّ شأنه ، لأنّه لم يعرف الحقيقة الحقّة الموجودة خارجاً .
ولذا فإنّ مقامات الأبرار والمقرّبين لا تُنال البتّة بآلية الحصول ، وإنّما بالتوجّه القلبيّ وقطع الالتفات عن الأغيار ، وهو المعبَّر عنه بكمال الانقطاع .
إنّ المعرفة الصورية الساذجة لا يمكن أن تنتج لنا رصيداً معرفياً يذكر ، بل قد تمثِّل بنفسها رصيداً جاهلياً يحجب الإنسان عن الرؤية الحقّة ، بخلاف التحقيقيّة فإنّها تمنح رصيداً معرفياً مهمّاً وهي رغم صوريّتها إلّا أنّها يمكن أن تكون قدماً ثابتة تعتمدها المعارف الحضورية في مقام إثباتها لا ثبوتها ، بل هي كذلك ، وأمّا المعرفة التحقّقية التصديقية فإنّها تصنع رصيداً معرفياً كلّ مرتبة منه لا تصنعها جميع الأرصدة المعرفية الحصولية ولا تقاس بها البتّة .
كما إنّ معرفة الله تعالى إذا لم تولّد حبّاً وإخلاصاً لمتعلّق المعرفة فهي ليست بمعرفة حقّة ، فالمعرفة كمال والكمال ارتقاء سلوكيّ قبل أن يكون نظرياً ، فما فُقد منه السلوك المفترض تحقّقه فإنّ المعرفة هذه تعود إلى جهالات محضة .