وعلى أيّ حال ، فكلّ إنسان هو أدرى بنفسه من سواه ، وكلّ إنسان على نفسه بصيرة ، وأهل مكّة أدرى بشعابها .
جدير بالذكر أنّ النفس الإنسانية واحدة لا غير ، ولكنّها ذات قوى يعبَّر عنها قرآنياً بالأمّارة واللوّامة والمطمئنّة ، وهذه القوى تمثّل أحوال النفس ، فتعدّدها يعني تعدّد أحوال النفس لا تعدّد النفس . بعبارة أخرى : إنّ القوى تمثّل أوصاف النفس لا أنّها نفوس مستقلّة .
كما أنّ الفقرية التي ينبغي التحقّق بها هي أن يعرف الإنسان أنّ حقيقة وجوده وكينونته ربطية تعلّقية لا مجرّد حاجاته ومتطلّباته ، فإذا ما أدرك الإنسان أنّ وجوده حرفيّ محض لا استقلاليّ وأنّ الاسم المُظهر له محصور بالله تعالى فإنّه سوف يتوجّه ويتعبّأ تلقائياً باتّجاه المُظهِر له .
والتوجه لا يكون إلا بالجهاد الأكبر والتجرّد عن التعلّقات المادية والخروج من نير حاكميتها وسطوتها القاتلة ، على أن يكون الجهاد هو السعي والعمل على الخلوّ من الغيرية المطلقة والحلول في الساحة المطلقة .
فإنّ الجهاد الإيجابي قد يكون في سبيل الله وقد يكون في الله تعالى نفسه ، والأوّل يُراد به سلامة السبيل ورفع العوائق ، وأمّا الثاني فيُراد به وجه الله تعالى لا غير ، ولذا استحقّ المجاهدون في الله حصراً الهداية إلى سبيله الحقّة .
تقدم المعرفة الأنفسية على المعرفة الآفاقية
لا ريب في التقدّم الرتبي للمعرفة الأنفسية على المعرفة الآفاقية ؛ لما عرفت من أنّ مَن لم يعرف نفسه لم يعرف غيره ، وهذا يعني توقّف معرفة الأغيار اللاحقة على معرفة النفس السابقة ، وأمّا التقدّم الشرفي فذلك أمر يختلف باختلاف موارده واختلاف متعلّق المعرفة ، فإن أُريد بالأغيار كلّ ما هو خارج عن دائرة النفس فالواجب داخل فتكون المعرفة الآفاقية أشرف ،