إرجاع الحاكمية الأولى إلى وضعها وإلغاء الحاكمية العرضية المجازية التي أبعدت الإنسان عن نوره الأوّل .
فالإنسان بطاعته لغرائزه وشهواته وأوهامه وتخيّلاته - التي يطلق عليها قوى النفس أيضاً - يكون قد حكّم ما من شأنه أن يكون محكوماً وطوّع ما من شأنه أن يكون حاكماً .
بعبارة أخرى : إنّ الإنسان في سيره المتدنّي في عالم المادّة والنقص وصدق تبعيّته له يكون قد أبدل مادّة ومضمون السفر الأوّل ( من الخلق إلى الحقّ ) بمادّة أخرى هي ( من المادّة إلى المادّة بالمادّة ) ، وهذا السفر المادّي المحض هو في قبال السفر الثاني الحقّي ( من الحقّ إلى الحقّ بالحقّ ) . فإذا كان المراد من قولهم ( بالحقّ ) هو كون السالك قد صار وجوده حقّانياً لا شركة للشيطان فيه ، وخلوّ حريم قلبه من الشوب والكدر ، فإنّ ما يمكن أن نستفيده من اصطلاحنا الجديد ( بالمادّة ) هو أنّ السالك في عالم النقص سوف يكون وجوده ظلمانياً لاسيّما في صورة إدمان السير المادّي ، فتلك الظلمة الحالكة تقوّمت بمجموعة نقاط سود أوجدتها ذنوب مختلفة في الكمّ والنوع ، وهذا ما عُبّر عنه روائياً بالنكتة السوداء .
وينبغي أن يُعلم بأنّ الخروج من الحواضن المادّية والتبعيّة لها يعني إلغاء الحاكمية العرضية المجازية التي أبعدت الإنسان عن نوره الأوّل .
كما أنّ جميع قوى النفس ما لم تكن محكومة للقوّة العاقلة - كحصيلة للجهاد الأكبر - فإنّها قوى ظلمانية لا تزيد الإنسان إلّا بُعداً عن الكمال المطلق .
ولذلك فإنّ النصر في الجهاد الأصغر هو نصر للإسلام والدِّين الظاهري ، وأمّا النصر في الجهاد الأكبر فإنّه نصر للإيمان والدِّين الواقعي ، إنّه انتصار الملكوت على الملك ، والخلود على الموت ، والحرية على العبوديات الزائفة .
كمال الحيدري (قراءة في السيرة والمنهج) — صفحة 599
مساهمون: حميد مجيد هدو
ص٥٩٩