العبودية لله تعالى والمعارف الإلهية
إنّ العبودية لله تعالى لا تساوق الانفتاح الكلّي على جميع المعارف الإلهية وإنّما هي شرط أساسي في تحقّق ذلك ، كما أنّ العودة للفطرة الأولى لا يساوق أيضاً الانفتاح الكلّي والتامّ على جميع المعارف الإلهية الحقّة ، فالوقوف الكلّي - على فرض إمكانه - رهن بالاستعداد المسبق للواقف معرفياً .
كما أنّ العبودية المحضة لله تعالى تعني في وجهها الآخر الحرية المطلقة عمّن سواه ، فالحرية الحقّة تعني التخلّص المطلق من سلطة الأغيار والتبعية لهم ما دامت التبعية لهم لا تُعمّق عبوديتنا لله تعالى .
ولذلك فإنّ القلوب الطاهرة هي مواضع مشيئة الله تعالى ومجلى إرادته ، فإذا ما صار قلب العبد وعاءً لمشيئته سبحانه ومجلىً لإرادته فإنّه سوف يدرك الولاية الحقّة التي هي بطانة الإنسان الكامل ومحتواه الفعلي .
العود للفطرة والمعرفة الحقة
إنّ من أهمّ معطيات العود إلى الفطرة السليمة - غير الانفتاح على المعارف الإلهية الأولى - حصول الاستجابة الكاملة للمعارف القرآنية الحقّة .
بعبارة أخرى : إنّ الصدود الذي يتولّد في النفس ويحجبها عن المعارف القرآنية سوف تُوصد أبوابه ، وتُشرع أبواب الفطرة السليمة من جديد على هذه المعارف الحقّة المستلهمة من كلمات الله سبحانه وثقله الأكبر ، وعندئذ سوف يُدرك الإنسان جيّداً معنى الخشية من الله تعالى وحقيقة الخشوع والتصدّع الذي ينتاب الجبل الأصمّ لو أُنزل القرآن الكريم عليه ؛ قال تعالى : لَوْ أَنْزَلْنَا هذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ( الحشر : 21 ) ، وعندئذ سوف يُدرك صاحب الفطرة السليمة سرّ الجهل المطبق الذي ألمَّ بمُشركي قريش ومنافقيها الذين لم يُبصروا في الرسول الأكرم ( ص ) غير شبهه الظاهري بهم ، وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَسْمَعُوا وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ