ما ورد في مدرسة الحكمة المتعالية فإنّهما يعنيان شيئاً آخر وراء إثبات الوجود وهو معرفة الموجود ، ولذا فمعرفة الموجود لا تساوق ولا تساوي إثبات الوجود البتّة .
وإذا ما عبّر البعض عن أبحاث إثبات الوجود بمعرفة الموجود فهو تعبير مسامحيّ أرادوا به خصوص إثبات الوجود لا غير .
إنّ إثبات وجود الله تعالى ما هو إلّا خطوة يسيرة في طريق معرفته سبحانه ، كما أنّ إثبات وحدانيّته ما هو إلّا خطوة أخرى أيضاً نحو معرفته سبحانه بيدَ أنّها أكثر إشراقاً وقوّة وقرباً إلى معرفته .
ولذا فإنّ كثرة أدلّة إثبات الوجود وإن كانت حسنة ومطلوبة إلّا أنّها لا تُفضي بنفسها إلى معرفة الله تعالى ، فلا يغترّ طالب المعرفة الحقّة بكثرة الأدلّة وتنوّع البراهين على إثبات الواجب ، فالوقوف عند ذلك فحسب لا يغيّر في كفّة الميزان المعرفي شيئاً كبيراً ، وإنّما المناط الفعلي في ترجيح كفّة الميزان المعرفي هو المعرفة الحقّة لا مجرّد إثبات الوجود ، وإلّا فما أكثر الضجيج وأقلّ الحجيج ! .
ثمّ إنّ معرفة الله تعالى تغني صاحبها عن البحث في إثبات الوجود وإثبات وحدانية الموجود ، ولا عكس ، بل إن إثبات الوجود والوحدانية لا ثمرة فعلية له بدون معرفته .
جدير بالذكر أنّ القرآن الكريم لم يتعرّض إلى قضية إثبات الواجب البتّة ، بخلاف قضية التوحيد ومعرفته الحقّة فقد تصدّرتا قائمة اهتماماته ، فتناولهما في أكثر من موضع .
وهذا يعني أن المنهج القرآنيّ توحيديّ معرفيّ خالص ينطلق في جميع قضاياه العقدية من أصل ثابت وهو وجود الله تعالى ، بخلاف ما عليه الحال في العلوم الأُخرى التي تُفرد فصولًا لإثبات الصانع وتوحيده .
كمال الحيدري (قراءة في السيرة والمنهج) — صفحة 592
مساهمون: حميد مجيد هدو
ص٥٩٢