بعبارة أخرى : إنّ الجاهل له مصداقان أحدهما الجاهل ابتداءً ، والآخر العالم التارك العمل بعلمه ، وبتبع ذلك يكون للعالم مصداق واحد لا غير وهو العامل بعلمه لا غير .
الإحاطة الوجودية أو الاكتناهية بالموجود
إنّ الإحاطة بموجود مقيّد معرفياً تستدعي في رتبة سابقة سقفاً معرفياً للمحيط يفوق السقف المعرفي للمحاط به أو يساويه على أقلّ التقادير ، ولذلك تكون الإحاطة بالمطلق محالة عقلًا إلّا من قبل ذاته لا غيره وإلّا لزم انقلاب غير المتناهي إلى متناه أو المتناهي إلى غير متناه .
ثمّ إنّ واجب الوجود لذاته من ضروريّاته أن يكون وجوده غير متناه ولا عكس ، فالوجود غير المتناهي إذا تحقّق له مصداق آخر غير الله سبحانه فلا يلزم من عدم تناهيه أن يكون واجب الوجود لذاته ، أي : إنّ عدم التناهي لا يساوق ولا يساوي واجب الوجود لذاته وإن كان التالي مشروطاً بالأوّل ، وبذلك يمكن افتراض موجودات بالذات غير متناهية في وجودها ما دامت جهة الإمكان محفوظة . فتعدّد غير المتناهي لا يلزم منه تعدّد الواجب ، وهذا واضح .
وبذلك يتّضح لك قول الرسول الأكرم ( ص ) لأمير المؤمنين عليّ ( ع ) : «
يا عليّ ما عرف الله حقّ معرفته غيري وغيرك
» . إنّ أهل البيت قد بلغوا أشرف وأرفع المراتب المعرفية فاحتاج إليهم عالم الإمكان بأسره لأنّ كلّ موجوداته في طولهم معرفياً ، لذا فمن أراد معرفتهم ( عليهم السلام ) حقّاً ينبغي أن يكون قريباً منهم ومن سنخ وجودهم المعرفي الحقّي ، لا أن يكون أجنبياً عنهم في مقوّماته وكمالاته المعرفية أو دون مراتبهم المعرفية « 1 » .
هامش
( 1 ) ولذلك كان أبو ذر رضي الله عنه يصف الإمامَ أمير المؤمنين عليّ بأنّه رجل لا يعرفه . انظر : مشارق أنوار اليقين ، مصدر سابق : ص 173 .