معرفته في الإقرار بالعجز عنها
إنّ المعرفة الحقّة هو أن يكون العارف مظهراً من مظاهر أسماء الله الحسنى وصفاته الأسنى ، وفي ضوء ذلك التحقّق المعرفي سوف يلتفت الشاهد عياناً إلى حقيقة وجوده التعلّقي الافتقاري الحرفي ، ثمّ يترقّى العارف في سيره التحقّقي حتّى يصل إلى رتبة لا يرى فيها حتّى وجوده التعلّقي الحرفي فيكون المشهود واحداً لا غير وتسقط الغيريّة تماماً مفهوماً ومصداقاً ، ولسان حال المتحقّق هو نداء الطرد التامّ لكلّ ما سوى المشهود المتفرّد في الوجود والشهود ، فليس في الدار غير ديّار ، وبذلك تطوي الوحدةُ الحقّة ما يُرى من الكثرة الظاهرة ، فتغيب الوجوه الهالكة ويبقى - كما كان ولم يزل - الوجه الأوحد الطارد بوجوده المطلق ما عداه وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ . . . ( البقرة : 115 ) .
بعبارة أخرى : تغيب في شهوده الحقّي الوجوه الهالكة ويبقى الوجه الأوحد الطارد بوجوده المطلق ما عداه .
فلا غير حتى يراه ، وذلك هو الإقرار التوحيدي الكامن بالعجز المعرفي عن معرفته ، وهذا ما يسجّله لنا الإمام عليّ بن الحسين ( عليهما السلام ) حيث يقول في مناجاة العارفين :
« انحسرت الأبصار دون النظر إلى سُبُحات وجهك ولم تجعل للخلق طريقاً إلى معرفتك إلّا بالعجز عن معرفتك . . . » « 1 »
. ولذا فإنّ المصداق المعرفيّ الحقّ في معرفة الله تعالى يكمن في الإقرار بالعجز عن معرفته سبحانه ، وهذا العجز المعرفيّ في المقام لا يعني الجهل به وإنّما حصول المعرفة الإجمالية الحقّة والإقرار بالعجز التامّ عن الإحاطة به . فالمعرفة الحقّة بالله تعالى قوامها الإجمال والإقرار بالعجز عن الإحاطة به
هامش
( 1 ) مفاتيح الجنان ، مصدر سابق : ص 183 .