تخطي إلى المحتوى الرئيسي

كمال الحيدري (قراءة في السيرة والمنهج) — صفحة 585

مساهمون:

ص٥٨٥
المؤثّر في نظام الوجود لابدّ أن يكون حقيقيّاً خارجياً . هذا وقد تقدّم منّا البحث في الفرق بين التحقيق والتحقّق ، ولكن ما نُريد التنبيه إليه في المقام هو أن الفرق بينهما إنما يكمن في السير والنتائج ، أمّا على مستوى السير فهو عقليّ محض في التحقيق ، بخلاف التحقّق فإنّه السير فيه قلبيّ شهوديّ . بعبارة أخرى : إنّ الرؤية فيه قلبية ، وهذا ما يمهّد للنتائج المترتّبة على السيرين ، فالأوّل لا ينتج سوى صور ذهنية محضة بخلاف التحقّق فإنّه يقف بصاحبه على حقائق وجودية تكوينية ، ثمّ إنّ الأثر المترتّب على التحقيق أقلّي - كما عرفت - بخلاف الأثر المترتّب على التحقّق فإنّه دائميّ الوقوع والتحقّق خارجاً . ومظهرية السير العقلي تفترق كثيراً عن مظهرية السير القلبي الشهودي ، فمن أقام الدليل على العدل - مثلًا - لا يكون عادلًا تبعاً لدليله ، بخلاف من شاهد وتحقّق بالعدل فإنّه يكون كذلك ، وهذا هو معنى كون نتائج التحقّق حقائق وجودية تكوينيّة .

المنهج البحثي والمنهج القرآني

إنّ المنهج البحثي يختلف اختلافاً كبيراً عن المنهج القرآني في معرفة الله تعالى ، فالأوّل ينطلق من الآثار وصولًا إلى المؤثّر ، وهذا يعني أن يكون المستدلّ قد افترض في رتبة سابقة عدم وجود المؤثّر أو العلّة محاولًا إثبات ما فرض عدمه ضمناً بالأثر . وهذا يتقاطع تماماً مع المنهج القرآني الذي ينطلق من حقيقة بتّية وهي المفروغية من وجود الله تعالى ووحدانيّته ثمّ يحاول أن يقدّم منبّهات على تلك المعرفة الفطرية ، وقد اعتمد في منبّهاته أقيسة منطقية منتجة ، فشابه بذلك المنهج البحثي صوريّاً ، وقد سلك العرفاء في منهجهم المعرفي جادّة القرآن في مفروغية وجوده سبحانه .