نعم ، هي عود إلى المعرفة الأُولى والفطرة الأُولى التي فُطر عليها الخلق ، أعني : فطرة التوحيد المتفرّعة على معرفته سبحانه ، فلا معنى لتوحيد شيء مجهول .
وهذه المعرفة ممكنة على مستوى الصفات والأفعال ولكنّها معرفة غير إحاطية بالنسبة للصفات لأنّها عين الذات ، كما هو ثابت في محله ، وأمّا الأفعال فإنّها ممكنة على نحو المعرفة الإحاطية ، فضلًا عن غير الإحاطية ، ولكن ضمن دائرة ضيّقة تقدّمت الإشارة إليها .
فاكتناه الفعل ممكن بخلاف الصفة فإنّ اكتناهها محال ، وإنّما هي معرفة بوجه كما عرفت ، وأمّا على مستوى الذات المقدّسة فلا ريب في استحالة الإحاطة بها نظراً وشهوداً ، والطرف المحقّق للاستحالة هو إمكان الممكن نفسه ؛ فإنّ الله تعالى لم يغلق أبواب معرفته على المستويات كافّة ، لذا فهو يعرف نفسه ، وإنّما محدودية الممكن تقف عائقاً بوجه تحصيل المعرفة الإحاطية ، فعلّة الانحسار المعرفي مرجعها القابل لا الفاعل .
وأمّا على مستوى المعرفة غير الإحاطية فإنّها ممكنة شهوداً ضمن شروط وحدود تقدّمت بعض الإشارات إليها ، وأمّا على مستوى النظر فهي على فرض حصولها - غير الإحاطية - فإنّها معرفة مفهومية صورية ، بل هي كذلك حتّى على مستوى الصفات والأفعال .
الذات والصفات ، والسير التحقيقي والتحقّقي
إنّ الصفات الإلهية تفترق عن الأسماء بلحاظ اتّصاف الذات وعدمه ، فإذا ما لوحظت الصفة حال اتّصاف الذات بها تكون الصفة اسماً ، وإذا ما لوحظت مجرّدة تكون صفة محضة ، فالعلم من صفات الله ، والعالم من أسمائه سبحانه .
ثمّ إنّ الاسم المتوسّل به هو الاسم بلحاظ وجوده التكويني الحقيقي لا بوجوده اللفظيّ الاعتباري ولا بوجوده الذهني طبقاً لقانون السببيّة من كون