وينبغي أن يُعلم بأنّ اليقين البحثيّ حيث إنّه غير موجب للعمل به فإنّه يكون قابلًا للزوال لأنّه في أصله قد جُعل مقروناً بالعمل ، فمع غياب العمل يصبح مورداً للاضمحلال والزوال .
عالم الرؤيا
إنّ الرؤيا بقطع النظر عن صدقها وكذبها تدلّ على ارتباط النفس الإنسانية بعوالم أُخرى غير عالم المادّة والطبيعة . فمن الثابت في محلّه أنّ هنالك عوالم أُخرى هي أرفع مقاماً من عالم الطبيعة ، يتّصف كلّ منها بالعليّة لما هو دونه ، وهي عالم الربوبية الذي هو علّة لعالم العقل المجرّد عن المادّة والصورة معاً ، وعالم العقل علّة لعالم المثال الذي تكمن فيه صور الأشياء دون موادّها ، وهو علّة لعالم الطبيعة الذي هو عالم الموادّ والصور معاً والحركة والتغيّر والتزاحم « 1 » .
ومن الواضح بأنّ مجال الرؤيا يكمن في عوالم ما بعد الطبيعة ، يقف بعضها عند عالم المثال ويرتقي بعضها الآخر إلى عالم العقل ، وربّما تظفر النفس الكاملة بالسَّبح القدسيّ في عالم الأسماء والصفات الإلهية .
وتجرّد النفس عن المادّة وإن كان يمكّنها من الاطّلاع على السير الغيبي للأشياء والوقوف على حقائقها إلّا أنّ تجرّد النفس وحده لا يكفل لها تحقّق ذلك فلابدّ من ضميمة السلوك والتكامل الذي هي عليه ، فكلّما كانت النفس الإنسانية أكثر تكاملًا كانت أكثر قرباً من العوالم العلوية وفهماً وتعاطياً معها .
ثمّ إنّ صدق الرؤيا يتناسب طردياً مع صدق الحديث كما أخبر بذلك الرسول الأكرم ( ص ) : «
أصدقكم رؤيا أصدقكم حديثاً
» ، والرؤية هي الأخرى حديث بيدَ أنّها ليست بلفظ ، وقد عُبّر عنها بذلك قرآنياً ؛ وَكَذلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ ( يوسف : 6 ) ، فمن صدق حديثه يقظة صدق
هامش
( 1 ) للوقوف على حقيقة هذه العوالم وأدلّة وجودها يراجع كتاب من الخلق إلى الحقّ : ص 14 - 45 .