بعبارة أُخرى : أيكفي الحصول على علم اليقين أم أنّ دائرة الوجوب تمتدّ إلى عين اليقين فتكون المعاينة واجبة ، أم أنّها تمتدّ أكثر لتصل إلى دائرة حقّ اليقين فتجب الملامسة المعنوية والمعايشة الروحية والفناء في الحقّ المطلق ؟
وهنا ينبغي توضيح هذه الاصطلاحات الثلاثة ، فبحسب الاصطلاح القرآني والعرفاني أنّ العلم الحصولي هو علم اليقين ، والعلم الحضوري هو عين اليقين ، قال تعالى : كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ * لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ * ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ ( التكاثر : 5 - 7 ) ، والأوّل يحصل بالدليل والبرهان ، والثاني يكون بالكشف والشهود والمعاينة والحضور .
وأمّا حقّ اليقين « 1 » ، وهو نوع معرفيّ سام جدّاً ، فإنّه مشاهدة الحقيقة أيضاً ولكن في أرفع الأطوار التي لا يمكن تجاوزها البتّة « 2 » .
ولا ريب أنّ الفرق بين العلم بالجحيم وبين مشاهدتها ومعاينتها عظيمٌ جدّاً لا يمكن تصوّره ، ولا ريب أنّ المعلوم مشاهدةً وحسّاً ومعاينةً وحضوراً هو أشدّ وجوداً ووضوحاً من المعلوم ذهناً وتصوّراً وحصولًا ، وبتبع ذلك يكون التأثر والتفاعل .
وهنا ربما يقال بأنّ المرتبة الأولى من اليقين في معرفة الله تعالى كافية فيتحقّق فيها الامتثال ، ولكنّنا لا نستقرب ذلك لأنّ هذا النمط غير موجب للعمل ، ولذا فهو العلم غير النافع عملًا كما جاء في مضمون حديث الرسول ( ص ) أو لازم مضمونه ، فيترشّح العلم بإحدى مرتبتيه الثانية أو الثالثة ، والثانية تكفي في المقام ، وهو المندرج ضمن دائرة اليقين النصّي أو الحضوريّ الشهوديّ .
هامش
( 1 ) المشار إليه بقوله تعالى : إِنَّ هذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ ( الواقعة : 95 ) ؛ وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ ( الحاقّة : 51 ) .
( 2 ) لطائف الأعلام في إشارات الإلهام ، مصدر سابق : ص 250 و 421 و 430 .