أحدٌ مَن خالقه ورازقه
. . . » « 1 » .
وحيث إنّ هذه المعرفة الأُولى كانت حاصلة فإنّ عدم الوقوف أو الالتفات إليها في هذا الوجود الأدنى يُسمّى إنكاراً وليس جهلًا ، فإنّ الجهل يقابل العلم ، وأمّا الإنكار فهو المقابل للمعرفة ، وقد تقدّم ذلك .
فما كان معلوماً سابقاً ثمّ حصلت الغفلة عنه ثمّ حصل التذكّر أو التذكير به فإنّه يُسمّى معرفة ، أي رفع الغفلة عمّا كان معلوماً سلفاً .
وقد ورد تأكيد هذا التضادّ بين المعرفة والإنكار قرآناً وسنّةً ؛ أمّا في القرآن ففي قوله تعالى : فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ ( يوسف : 58 ) ويَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا ( النحل : 83 ) .
وأمّا في السنّة فقد ورد في رواية طويلة يتحدّث فيها الإمام جعفر بن محمّد الصادق ( ع ) عن جنود العقل والجهل ، نأخذ موضع الحاجة منه ، حيث يقول ( ع ) : « . . .
المعرفة وضدّها الإنكار
. . . » « 2 » .
فلم يقل : وضدّها الجهل ، وإنّما قال ( ع ) : «
وضدّها الإنكار
» . وهذا يدلّ بنفسه على وجود علم مسبق وهو العلم البسيط - وقد تقدّمت الإشارة إليه - ولكن غفل عنه الإنسان ونسيه ، كما عرفت ذلك .
وهذا النسيان والغفلة والإنكار وإن كانت دائرته أعمّ من نسيان ذلك الموقف الإشهادي الحاصل في عوالم سابقة ، ومن عدم الإقرار بربوبية الله والعبودية له في هذا العالم الأدنى ، إلّا أنّ الأقرب إلى المضامين القرآنية والروائية هو المصداق الأوّل الذي تعمّ دائرته الأعمّ الأغلب من بني الإنسان ، بخلاف الثاني فدائرته أضيق ؛ نظراً لوجود الموحّدين بين العامّ فضلًا عن
هامش
( 1 ) تفسير القمّي لأبي الحسن علي بن إبراهيم القمّي ، مؤسّسة دار الكتاب ، الطبعة الثالثة ، 1404 ه - ، قم : ج 2 ص 248 .
( 2 ) الأصول من الكافي ، مصدر سابق : ج 1 ، ص 22 ، ح 14 .