. / أعطيته . ( أصول الكافي ، مصدر سابق : ج 2 ص 352 ح 7 ) . وعندئذ سوف تكون أعضاء وجوارح هذا المتُنفّل إلهية ، وفي هذا المقام يكون العبد المتنفّل قد أوجب النوافل على نفسه ، وهو مقام سام إلّا أنّ العبد يبقى على إنيّته - مأخوذة من « أنا » - فلا يبلغ مرتبة الفناء التامّ في الله تعالى ، وأمّا مقام قرب الفرائض - وهو أرفع من السابق - فإنّ العبد نفسه سوف يكون عين الله تعالى وسمعه ولسانه ويده ، وهو الوارد في الحديث المرويّ عن الرسول الأكرم : ما يزال عبدي يتقرّب إليّ بالفرائض حتّى أحبّه ، فإذا أحببته صار سمعي و . . . . ( رياض الصالحين ، للنووي ص 63 ، دار ابن زيدون ، 1997 م ، بيروت ) .
وعظمة المقام الثاني هو أن الله تعالى يُبصر ويسمع وينطق ويبطش من خلال هذا العبد الفاني فيه ، فيرضى الله لرضاه ويسخط لسخطه ويغضب لغضبه ، وهذا هو خلاصة مرتبة الفناء الأسمى في الله تعالى . ومن هنا يمكنك أن تفهم بوضوح قول الرسول الأكرم في حقّ الصديقة الكبرى ومَن دارت على معرفتها القُرون الأولى - الحديث - وهو : إنّ الله عزّ وجلّ ليغضب لغضب فاطمة ، ويرضى لرضاها . ( فرائد السمطين ، لأبي عبد الله الحموي الجويني ، تحقيق الشيخ محمّد باقر المحمودي : ج 2 ص 46 ، مؤسّسة المحمودي ، بيروت ، الطبعة الأولى ، 1398 ه - ) . وأروع من سجّل لنا هذا المقام الأرفع هو أمير المؤمنين حيث يقول : أنا علم الله ، وأنا قلب الله ، ولسانه الناطق ، وعين الله ، وجنب الله . . . ( توحيد الصدوق ، مصدر سابق : ص 164 ) . ومن هنا لَكَ أن تفهم بوضوح قوله تعالى : أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ ( الزمر : 56 ) .
واعلم أنّ العبد على رُقيّه في مقام قرب النوافل إلّا أنّه سوف يبقى على محدوديته ، لأنّ الله تعالى هو عين العبد ، وعين العبد محدودة متناهية ، بخلاف ما هو عليه في قُرب الفرائض فإنّ العبد يصير عين الله تعالى ، وعين الله غير متناهية ، فتدبّر في ذلك وافهم .
فإذا عرفت كلّ ذلك فاعلم أنّ هنالك مقاماً آخر يصل إليه العبد وهو الجمع بين مقام النوافل ومقام الفرائض ، فإن جمع بينهما دون أن يكون قادراً على التحكّم فيهما كيفما يشاء فهذا هو المقام الثالث والمسمّى بمقام جمع الجمع ، فهو مقام الجمع بين المقام الأوّل والثاني ، ولكن دون أن تكون له القدرة على التحكمّ فيهما ، وإن أمكنه التحكّم فيهما كيفما شاء ومتى شاء ذلك فهذا هو المقام الرابع والأخير وهو المُسمّى بأحدية الجمع ، والمُسمّى أيضاً بمقام « أو أدنى » .
واعلم أنّ المقام الرابع - أحدية الجمع - هو خاصّية الرسول الأكرم بالأصالة ، ومقام أهل البيت بالوراثة ، فليس لأحد دونهم الوصول إلى ذلك ، دون المقامات الثلاثة الأولى فمن الممكن الوصول إليها ، وهي مفتوحة لكلّ إنسان وإلى يوم القيامة .
كمال الحيدري (قراءة في السيرة والمنهج) — صفحة 576
مساهمون: حميد مجيد هدو
ص٥٧٦