المعرفة . . . حقيقتها ومعطياتها
المعرفة هي تذكّر علم سابق بعد غيبته عن الذهن ، فالغفلة تعترض الإنسان فيغيب العلم ثمّ يعود بتذكّر أو بتذكير فيكون معرفة ، فمن لا يعتريه السهو والنسيان والغفلة يبقى عالماً بما علم ، ولذا لا يُسمّى الله تعالى عارفاً وإنّما هو عالم . وهذا العلم يكون أعمّ مطلقاً من المعرفة إمّا بنكتة الإجمال والتفصيل أو بنكتة الجزئيات والكلّيات .
وذلك العلم المغيّب هو العلم الأوّل البسيط غير القابل للزوال أبداً وإن أمكن غيابه غفلة ، والفرق عظيم وواضح بين الزوال والغياب ، وحقيقة العلم الأوّل هو التوحيد المشتمل على معرفة الله تعالى ، فإذا ما قيل : إنّ معرفة الله تعالى واجب عينيّ على الجميع ، فإنّ المراد هو عود ذلك العلم الأوّل فهو معرفة الله وتوحيده .
وعليه فمن ادّعى عدم المعرفة لغياب علمه الأوّل لا يسمّى جاهلًا وإنّما هو منكر ، لأنّ الإنكار يقابل المعرفة لا الجهل .
فالمعرفة الأولى أو العلم الأوّل ليست نتاجاً إنسانياً وإنّما هي عطاء إلهي وفيض ربّانيّ فطر عليه الإنسان وأشهد عليه في المعاينة الأولى والموقف الأوّل الذي نسي الإنسان ملامحه نتيجة الانغماس في عالم المادّة ، وسوف يذكر موقفه ذلك اضطراراً إن لم يهتد له في دنياه اختياراً .
وقد بُيّن لنا هذا المعنى في رواية عن محمّد بن أبي عمير عن ابن مسكان عن الإمام جعفر بن محمّد الصادق ( ع ) في تفسير قوله تعالى : وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ . . . قلت - أي ابن مسكان - : معاينةً كان هذا ؟ .
قال ( ع ) : «
نعم ، فثبتت المعرفة ونسوا الموقف وسيذكرونه ، ولولا ذلك « 1 » لم يدر
هامش
( 1 ) أي : ولولا ذلك الإشهاد .