ثمّ إنّ مرجعيّة هذه الوراثة الذاتية بين الحبّ والإخلاص تكمن في كون الحبّ الحقّي التحقّقي يعني بالضرورة طرد الأغيار عن حريم القلب فلا يبقى للقلب سوى التوجّه بكلّيته نحو قبلته وكعبته ومحبوبه ، فلا معنى لانحراف بوصلة القلب نحو مقصد آخر مع طرد الأغيار عنه .
من هنا تفهم أنّ حبّ الأغيار بنكتة التعدّد لا تساوي طرد الأغيار عن القلب فيكون الحبّ صورياً أجوفَ قابلًا للتبدّل والتغيّر والاضمحلال .
ولا ريب بإنّ حبّ الله تعالى الذي يُغني المحبّ عن الأغيار ولا يُغني حبّ الأغيار عنه سيكون هو بنفسه جنّة النعيم التي يتحقّق بها العبد في الدنيا قبل الآخرة ، إليها يُحسر وبها يُنعم ، فيعصمه هذا الحبّ المتفرّد عن التلوّث بالمعاصي ، وبذلك تكون نافذة الملكوت مشرعة أمام نواظر قلبه .
وهذا الإخلاص الذي هو ثمرة المعرفة والحبّ إن بلغ مرتبة أعلائية بحيث لم يبق شاغل في القلب ولا خاطر سواه - جلّت قدرته - يكون العبد المحبّ موضوعاً فعليّاً للاصطفاء والاجتباء فيدخل العبد في حصن حصين وهو مقام المخلَصية بعدما كان متحقّقاً بمقام المخلِصية ، وذلك السقي الإلهي له لشراب طهور لا ظمأ بعده أبداً ، أي لا جهل ولا معصية بعده أبداً ، سَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً ( الإنسان : 21 ) ، وهنالك ييأس الشيطان من إغوائه والنيل منه .
وينبغي أن يُعلم بأن هذه المرتبة الأعلائية من الإخلاص الحقّي تكمن في تخليص النفس من رؤيتها للإخلاص نفسه ، فتارةً يكون الإخلاص في العمل وهي مرتبة أدنى ، وتارةً يكون الإخلاص من العمل وهي مرتبة عالية ، وتارةً يكون الإخلاص في الخلاص من رؤية الإخلاص نفسه وهي المرتبة الأعلائية التي فيها يكون المخلِص مخلَصاً .
كمال الحيدري (قراءة في السيرة والمنهج) — صفحة 572
مساهمون: حميد مجيد هدو
ص٥٧٢