تخطي إلى المحتوى الرئيسي

كمال الحيدري (قراءة في السيرة والمنهج) — صفحة 569

مساهمون:

ص٥٦٩
الشهد ليس كمن ذاقه .

عود على بدء

بناء على ما تقدّم في الفرق بين المعرفة التحقيقية والمعرفة التحقّقية ، فإن المعرفة إن كانت تحقيقيّة فإنّها سوف تفترق عن ملاكات الحبّ والبغض ، أعني المحاسن والمساوئ ، فتكون المعرفة كاشفاً إنيّاً عن علّة الحبّ الفعلية وهي خصوص الملاكات الداعية لذلك ، وأمّا إذا كانت المعرفة تحقّقية فلا بينونة ولا اثنينيّة بين داعي الحبّ ومعرفته ، نظراً لكون المعرفة - بمعنى التحقّق لا التحقيق - تعني تحقّق العارف بصفات وملاكات المعروف ، وكلٌّ بحسبه . من هنا يُفهم أنّ حبّ العبد لربّه هو تعبير آخر عن طرد الأغيار عن حريم القلب ، وهذا الطرد المقدّس الذي هو شاغل العرفاء ابتداءً هو الوجه الآخر لمعرفة الله تعالى . إذن فالمعرفة الحقّة تورث الحبّ ، وحيث إنّ هذه المعرفة مأخوذة على نحو الكلّي المشكّك فالحبّ يكون كذلك ، ومن ثمّ سوف تسري درجات التشكيك إلى متعلّق الحبّ والمعرفة لا بمعنى تعدّده خارجاً وإنّما بحسب معرفته ومحبوبيّته ، فهو متنوّع متعدّد بالعرض لا بالذات . بعبارة أخرى : إنّه يتنوّع بتنوّع الحال والكيف الذي عليه العارف والمحبّ لا بحسبه هو ، وهذا واضح . جدير بالذكر أنّ تصوير حقيقة الحبّ سوف يبقى أمراً متعسّراً ولا يمكن عرضه بأيّ وجه تحقيقي ، لأنّه أمر وجدانيّ تحقّقيّ يحتاج إلى تطبّع به لا إلى انطباع عنه ، فالحبّ واضح جليّ في لفظه ومعناه ، خافٍ مستتر في كنهه ومغزاه كالوجود واضح مفهوماً مبهم مضموناً . ثمّ إنّ الحبّ أيّاً كان متعلّقه يعود إلى ذلك الأصل الأصيل وهو حبّ الله تعالى . إنّ الحبّ التحقّقي الظاهر في معناه ، الخافي في مغزاه ، متعلّقه الأوّل هو