وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً ( الفرقان : 23 ) ، ذلك العمل الأجوف تماماً الخالي من قيمته الفعلية ، قد أحيل إلى هباء منثور لأنّه في حقيقته مجرّد قشور فارغة ، فلم يكن شيئاً يُذكر سوى عند صاحبه الظامئ له والساعي خلفه يحسبه ماءً وهو كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ ( النور : 39 ) ، وأصحابه وُصفوا بقوله تعالى : وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ ( المجادلة : 19 ) .
من هنا سوف يتّضح لنا الوجه الناصع لقوله تعالى : يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ ( الطارق : 9 ) حيث يكشف اللثام عن النوايا ويُبان كلّ إنسان على حقيقته ، فلم تُعبِّر الآية الكريمة بالأعمال وإنّما عبّرت بالسرائر التي هي الداعي الحقيقيّ الكامن وراء الأعمال وما انطوت عليه الضمائر ؛ ف - «
من حسُنت نيّته كثُرت مثوبته
» « 1 » ، وعندئذ تتمايز السرائر بحسن النوايا وقُبحها . يُروى عن أمير المؤمنين ( ع ) قوله : «
حُسن النيّة جمال السرائر
» « 2 » . وهذا الجمال والحُسن كفيلان بحفظ العمل ومضاعفة الأجر عليه : إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا ( الكهف : 30 ) . وإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ( التوبة : 120 ) .
بناءً على ما تقدّم من كون الحبّ مورثاً للإخلاص وأنّ الإخلاص موضوعه ومتعلّقه هو النيّة ، يتّضح لنا أنّ الحبّ الإلهي يدفع بصاحبه نحو النيّة الخالصة وخلوص النيّة . فالإخلاص في أحد وجوهه يعني دفع الأغيار عمّن تُحبّ وتقصد لأنّ الإخلاص يعني الطرد التامّ للشوب الذي هو مقابل له ، كما جاء ذلك في كتب اللغة « 3 » .
هامش
( 1 ) غرر الحكم ، مصدر سابق : 9094 .
( 2 ) المصدر السابق : 4806 .
( 3 ) انظر : لسان العرب ، مصدر سابق : ج 7 ص 26 ؛ مفردات ألفاظ القرآن ، مصدر سابق : ص 292 .