تخطي إلى المحتوى الرئيسي

كمال الحيدري (قراءة في السيرة والمنهج) — صفحة 568

مساهمون:

ص٥٦٨
فما ذكره المتكلّمون والحكماء الإلهيّون في مصنّفاتهم من دلائل على إثبات الواجب أو الصانع من قبيل برهان النظم وبرهان الإمكان والوجوب وبرهان الحدوث وبرهان الحركة والتغيّر وبرهان النفس الإنسانية وبرهان العلّة والمعلول وبرهان الصدّيقين وغيرها من البراهين ، فإنّها تعتمد العقل في تأسيس وتقرير براهينها ، وبذلك تعطي الباحث اتّزاناً معرفيّاً صوريّاً ، والمراد من الصورية هنا هو كونها لا تعدو دائرة الذهن . وأمّا المعرفة التحقّقية بغضّ النظر عن كونها إحاطية أو غير إحاطية فإنّها تسلك بالإنسان طريقاً آخر لمعرفة الله تعالى وتوحيده وهو طريق الكشف والشهود والمعاينة ، ونتيجة الشهود ليست صوراً ذهنية وإنّما حقائق قلبية وجودية تكوينية . بعبارة أُخرى : إنّ حصيلة التحقيق البرهاني هي أن يكون الباحث مظهراً لنتيجة ذلك السير العقلي ، ولذا فإنّه لا يخرج عن دائرة المفهوم والصورة الذهنية ، وأمّا حصيلة التحقّق الشهودي فهي أن يكون السالك مظهراً لنتيجة ذلك السير المعنوي القلبيّ ، أي يكون السالك مظهراً لما تحقّق به ، فمن تحقّق بالعدل يكون مظهراً فعليّاً للعدل ، فلا يكون مجرّد عادل فحسب وإنما يكون عدلًا فاجتمعت فيه كمالات العدل ، وهكذا من تحقّق بالوفاء وصار وفيّاً بل وفاء ، وهكذا الحال في سائر مراتب الشهود والتحقق ، وكلٌّ بحسبه ومرتبته ، وهذا ما أردنا قوله من كون نتائج الشهود والتحقّق هي حقائق قلبية تكوينية . ويمكن تقريب هذا المعنى الدقيق بمثال حسّيّ في متناول الجميع وهو الجوع ، فمن عرف ما هو الجوع وكيف يصيب الإنسان وكيف يتخلّص منه دون أن يعيش بنفسه حالة الجوع فإنّ معرفته هذه معرفة تحقيقية ، وأمّا من عاش الجوع بنفسه فإنّ معرفته بالجوع تكون تحقّقية حيث تعرّض نفسه للجوع وصار جائعاً ، وشتّان بين من عرف الجوع ومن عاشه ، ولذا قيل : من وُصف له