تخطي إلى المحتوى الرئيسي

كمال الحيدري (قراءة في السيرة والمنهج) — صفحة 494

مساهمون:

ص٤٩٤
النبوّة ، وباب الإخبار من السماء والوحي . وإن كان البعض طرح نفس التساؤل حول تعدّد الشرائع ونسخ بعضِها بعضَها الآخر ، فذهب إلى ضرورة نسخ شريعة الإسلام كما حصل في الشرائع المتقدّمة ، والإتيان بشريعة جديدة تتناسب مع الحاجات الاجتماعية لهذا العصر . وهذه الشبهة صاغها الطباطبائي بهذه الصورة حيث قال : « وقد اشتبه الأمر على من يقول : إنّ جعل القوانين العامّة لمّا كان لصلاح حال البشر وإصلاح شأنه وجب أن تتبدّل بتبدّل الاجتماعيات في نفسها وارتقائها وصعودها مدارج الكمال ، ولا شكّ أنّ النسبة بين ذلك العصر وعصر بعثة عيسى وموسى ( عليهما السلام ) ، فكان تفاوت النسبة بين هذا العصر وعصر النبي ( ص ) موجباً لنسخ شرائع الإسلام ، ووضع قوانين أُخر قابلة الانطباق على مقتضيات العصر » . ثم أجاب عن ذلك « بأنّ الدين لم يعتبر في تشريعه مجرّد الكمال المادّي الطبيعي للإنسان ، بل اعتبر حقيقة الوجود الإنساني ، وبنى أساسه على الكمال الروحي والجسمي معاً ، وابتغى السعادة المادّية والمعنوية جميعاً ، ولازم ذلك أن يعتبر فيه حال الفرد الاجتماعي المتكامل بالتكامل الديني دون الفرد الاجتماعي المتكامل بالصنعة والسياسة ، وقد اختلط الأمر على هؤلاء الباحثين فإنّهم لولوعهم في الأبحاث الاجتماعية المادّية - والمادّية متحوّلة متكاملة كالاجتماع المبنيّ عليها - حسبوا أنّ الاجتماع الذي اعتبره الدين ، نظير الاجتماع الذي اعتبروه ، اجتماع ماديّ جسمانيّ ، فحكموا عليه بالتغيّر والنسخ حسب تحوّل الاجتماع المادّي . والدين لا يبني تشريعه على أساس الجسم فقط ، بل الجسم والروح جميعاً ، وعلى هذا يجب أن يفرض فرد دينيّ أو اجتماع دينيّ جامع للتربية الدينية والحياة المادّية التي سمحت به دنيا اليوم ، ثم لينظر هل عنده شيء من النقص المفتقر إلى التتميم ، والوهن المحتاج إلى التقوية ؟ » « 1 » .
هامش
( 1 ) الميزان في تفسير القرآن ، مصدر سابق : ج 2 ، ص 133 .