ترتبط بعمل الناس وتكاليفهم - وهو ما يُعبَّر عنه بالفقه الذي يرتبط بعبادات الناس ، وأحكام معاملاتهم ، وبصلاتهم وصومهم ، وبالإدارة والاقتصاد - هذه الجهات التي نعبّر عنها بالفقه هو المعنيّ بالإجابة عنها ، بخلاف الأحكام أو الأمور التي ترتبط بالأصول التي يجب أن يجيب عنها علم الكلام والفلاسفة .
أمّا لماذا تختلف هذه الشرائع من زمان إلى آخر ؟ ولماذا هناك شريعة في زمن موسى ( ع ) تختلف عن الشريعة التي نزلت في زمن النبي محمد ( ص ) ؟ فهذا من الأبحاث الموكولة إلى علم الاجتماع حيث يُبحث فيه عن التطوّر البشري ومراتب احتياجهم إلى هذه الشريعة أو تلك لإدارة نظام الحياة . والشاهد على ذلك هو أنّنا نجد أنّ الأمم تتطوّر وتتكامل فتصل إلى مرحلة لا تستطيع معها أن تكون الشريعة السابقة كافية للإجابة على كلّ متطلّباتها الحياتية للمستجدّات ، ومن هنا نحتاج إلى شريعة جديدة .
فالفترات بين الأنبياء تختلف ، فما بين النبي عيسى ( ع ) وبين نبيّنا محمد ( ص ) تصل هذه الفترة إلى أكثر من خمسة قرون ، وبين عيسى ( ع ) وموسى ( ع ) كذلك ، وهكذا بين سائر الأنبياء . فمع الفترة الطويلة لنزول الشرائع تكون تلك الأمم والمجتمعات البشرية قد تجاوزت المرحلة التي جاءت بها الشريعة السابقة بنحوٍ تحتاج إلى شريعة جديدة وإلى نظام جديد ، ولهذا فإنّ الله تعالى يُنزل شريعة جديدة وذلك بعد أن تستنفد الشريعة السابقة أغراضها ، لأنّنا لا ندور مدار زمن محدّد .
أمّا بالنسبة للشريعة الإسلامية كما هو مُحقّقٌ وثابت في علم الكلام ، فإنّها جاءت بنظام لإدارة الحياة قادرٍ على أن يستجيب لكلّ متطلّبات الحياة مهما بلغت درجة تطوّرها ونموّها وتكاملها . وهذا فارق أساسيّ بين الشريعة التي جاء بها الإسلام والشرائع السابقة التي جاء بها الأنبياء السابقون ، ومن ثمّ لا توجد بعدها شريعة أخرى كما ثبت في علم الكلام من أنّه قد انسدّ باب
كمال الحيدري (قراءة في السيرة والمنهج) — صفحة 493
مساهمون: حميد مجيد هدو
ص٤٩٣