التوحيدية في الرؤية الكونية الإسلامية .
لقد تعدّدت مذاهب المعرفة الدينية والإنسانية واختلفت في معنى هذه الوحدة ، وفي العصر الإسلامي تبلورت عدّة اتّجاهات توزّعت على المناهج المشهورة في المعرفة ، وهي الكلامي والفلسفي والعرفاني . بيد أنّ الرؤية ظلّت مشوبة بالنقص والسذاجة حتّى مع جهود عقول فلسفية جبّارة برزت على هذا الصعيد . فجلّ ما يستشفّ من البحث الفلسفي لفلاسفة ما قبل الإسلام وممّن تصدّى للمعارف الإلهية من فلاسفة المسلمين إلى فترة متأخّرة من العصر الإسلامي ، أنّهم يذهبون على السواء إلى مبدأ الوحدة العددية التي تكمن أبرز خصائصها في أنها تقبل الثاني ، ومن ثمّ فهي محدودة ، وهذا ما لا يليق بساحة الخالق جلّ وعلا ، وما رفضه المنطق العلويّ بحسم :
« من أشار إليه فقد حدّه ، ومن حدّه فقد عدّه » « 1 »
. وقوله :
« فقول القائل ( واحد ) يقصد به باب الأعداد ، فهذا مالا يجوز ، لأنّ ما لا ثاني له لا يدخل في باب الأعداد » « 2 »
حيث يشير الشطر الأخير من النصّ العلَويّ إلى الوحدة الحقّة الحقيقية أو الوحدة القهّارة التي تكمن أبرز خصالها في أنّها سنخُ واحد لا نهاية له ، ومن ثمّ لا يقبل الثاني ، ويستحيل أن يكون له ثان ، إذ من أين يأتي الثاني ومتى ، والمفروض أنّ ذلك الواحد لا نهاية له ؟
إذا كان هذا هو حظّ البحث الفلسفي في نظرته إلى الوحدة ، فلم يكن بمقدور البحث الكلامي أن يخرج بنتيجة تزيد على هذه الحصيلة ، حيث تؤكّد النظرة المتفحّصة للتراث الكلامي أنه لم يأت بأزيد من الوحدة العددية في هذا المضمار ، مع أنّ للقرآن الكريم إشارات صريحة في هذا الاتجاه .
أمّا الإمام أمير المؤمنين ( ع ) فقد كان الفاتح لهذه المنطقة من المعرفة
هامش
( 1 ) نهج البلاغة ، مصدر سابق ، الخطبة الأولى ، ص 40 .
( 2 ) التوحيد ، مصدر سابق ، ص 83 - 84 حيث ينظر النصّ بأكمله .