يواجهنا مصطلحا « الأزليّ » و « السرمديّ » ، حيث يشير الأوّل إلى طرف الابتداء ، والثاني إلى طرف الانتهاء . فإذا افترضنا أنّ للموجود بداية ونهاية ، فهو ليس أزلياً ولا سرمدياً ، وهذا هو شأن الموجودات الحادثة .
بيد أنّ الأمر ليس كذلك بالنسبة إلى الله جلّ جلاله . فمهما توغّلنا من حيث الابتداء لا نصل إلى نقطة كانت ولم يكن الله فيها ، كما لا نعثر من جهة الانتهاء على نقطة تكون ولا يكون الله فيها .
يؤسّس الإمام أمير المؤمنين لهذا المعنى ويبرهن عليه في ضوء مبدأ الوحدة الحقّة الحقيقية ، حيث يقول ( ع ) :
« الحمد لله الدالّ على وجوده بخلقه ، وبمحدَث خلقه على أزليّته » « 1 »
فبما أنّ مخلوقاته حادثة فوجوده ليس بحادث ، وإلّا لو كان حادثاً لاحتاج إلى خالق ، ولصار مخلوقاً .
لو نظرنا إلى أيّ موجود لرأيناه مسبوقاً بعدم ثم صار موجوداً ، أمّا وجوده تعالى فإنّه سابق على العدم ، لا أنّ عدمه سابق على وجوده ، وكما يقول أمير المؤمنين :
« سبق الأوقاتَ كونُه ، والعدمَ وجودُه ، والابتداءَ أزلُه » « 2 »
فأزله سابق على كلّ شيء .
هذا المعنى يبرز في المحاورة التي دارت بين الإمام أمير المؤمنين والحبر اليهودي ، عندما جاء الحبر إلى الإمام يسأله : يا أمير المؤمنين متى كان ربّك ؟ فقال له :
ثكلتك أمّك ومتى لم يكن حتى يُقال متى كان ؟ ! كان ربّي قبل القبل بلا قبل ، وبعد البعد بلا بعد ، ولا غاية له ولا منتهى لغايته ، انقطعت الغايات عنده فهو منتهى كلّ غاية »
. فبهت الرجل ، وبهرته هذه الكلمات فبادر الإمامَ بقوله : « يا أمير المؤمنين أفنبيّ أنت ؟ ! » فقال ( ع ) : «
ويلك إنّما أنا عبد من عبيد محمّد
( ص ) » « 3 » .
هامش
( 1 ) نهج البلاغة ، مصدر سابق ، الخطبة 152 ، ص 211 .
( 2 ) نهج البلاغة ، الخطبة 186 ، ص 273 .
( 3 ) الأصول من الكافي ، مصدر سابق ، ج 1 ، باب الكون والمكان ، ح 5 ، ص 89 - 90 .