تعدّ « القدرة » من البحوث الأساسية التي أولاها الكتاب عناية كبيرة . فالبحث في هذه الصفة هو بمنزلة المجسّ الذي يرسم الحدود الفاصلة بين عدد من المناهج أبرزها المنهجان الكلامي والفلسفي ، إذ يمكن التمييز بين النسقين الكلامي والفلسفي ، ومن ثمّ معرفة هوية الباحث وموقعه المعرفي والفكري ، انطلاقاً من طبيعة ما يتبنّاه من تعريف للقدرة ، وما يقدّمه على صعيد الفهم ونظرية التفسير ، وفي مضمار علاج عدد من التفصيلات التي تحفّ المسألة ؛ من ذلك مثلًا إشكالية الأهون والأصعب التي يصحّ أن تنسب إلى الإنسان لأنّ القدرة عنده محدودة مقيّدة ، بينما من المستحيل أن تنسب إلى الله سبحانه ؛ لما يفضي إليه ذلك من تحيّث في الذات الإلهية . فالذات القدسية ذات واحدة بسيطة ، وهي مبدأ القدرة ، وحيث إنّ الذات غير متناهية فإنّ القدرة غير متناهية أيضاً ، ومن ثمّ لا معنى لأن يكون هذا الفعل أسهل من ذاك ، وذاك أصعب وأعقد ، بالنسبة إلى الله سبحانه .
تتمثّل الصيغة التي يقدّمها البرهان العقلي على ذلك بأن قدرة الله تعالى هي عين ذاته ، حيث يجب وجودها ويمتنع عدمها ، ومن ثمّ لو تقيّدت بقيد لانعدمت بانعدام قيدها ، وهو محال . فإذن قدرته سبحانه مطلقة غير محدودة بحدّ ولا مقيَّدة بقيد ، وكلّ شيء بالنسبة إليها سواء ، من دون معنى للأصعب والأسهل « 1 » .
هذا المعنى يبرزه النقل ويجلّيه النصّ العلويّ على أحسن وجه ، ففي الخطبة ( 186 ) من خطب « نهج البلاغة » التي يذكر الشريف الرضي أنّها تختصّ بالتوحيد ، ويقول في وصفها : « تجمع هذه الخطبة من أصول العلم ما لا تجمعه خطبة » يقول الإمام أمير المؤمنين ( ع ) وهو يذكر خلق الله سبحانه للدنيا وما فيها :
هامش
( 1 ) تنظر التفاصيل في الكتاب ، ص 391 فما بعد .