5 - لا معنى للبحث في التوحيد من دون الإيمان بإمكان المعرفة ولو بوجه وبحدّ ما . الحقيقة أنّ هذه المسألة تنازعتها تيّارات عديدة في فكر المسلمين ، أبرزها التيّار التعطيلي ، الذي يذهب إلى تعطيل الإدراك الإنساني عن التعاطي مع المعرفة التوحيدية ، ثم التيّار التشبيهي الذي ينزلق إلى إشراك الله سبحانه مع الممكنات وقياس معرفته في ضوئها .
أمّا المنطق العلَويّ فهو يؤمن بإمكان المعرفة
« أوّل الدين معرفته » « 1 »
لكن بتمييز وحدود بين الممكن والمحال . في نصّ علويّ يرسم الإمام أمير المؤمنين الحدود بين المنطقتين المحالة والممكنة ، بقوله ( ع ) :
« لم يُطلع العقول على تحديد صفته ، ولم يحجبها عن واجب معرفته » « 2 »
كما يرسم في نصّ آخر حدّاً واضحاً بين المعرفة الممكنة والممتنعة :
« فلسنا نعلم كنه عظمتك ، إلا أنّا نعلم أنّك حيّ قيّوم لا تأخذك سنة ولا نوم » « 3 »
. إذن : المعرفة ممكنة ، والاكتناه محال ، وباب المعرفة مفتوح غير مسدود وإلّا
« لكان التوحيد عنّا مرتفعاً »
كما في الحديث الشريف « 4 » ، أو كما قال الإمام الصادق عندما سأله سدير : فكيف سبيل التوحيد ؟ قال ( ع ) :
« باب البحث ممكن وطلب المخرج موجود » « 5 »
. إنّما تكمن الأهمّية في عدم الخلط بين المنطقتين المحالة والممكنة ، ثم في طبيعة التوفيق بين الإمكانية والكيفية حذر السقوط
هامش
( 1 ) نهج البلاغة ، مصدر سابق ، الخطبة الأولى ، ص 39 .
( 2 ) نهج البلاغة ، الخطبة رقم 49 ، ص 88 .
( 3 ) نهج البلاغة ، الخطبة رقم 160 ، ص 225 .
( 4 ) الذي جاء في حوار الإمام الصادق مع أحد زنادقة عصره ، حينما رام المجادل أن يغلق باب المعرفة التوحيدية عبر احتجاجه بقدرات العقل الإنساني وأنّ ما يكوّن من صور إدراكية في هذا المجال لا يزيد على كونه أوهاماً . ينظر الحوار كاملًا في : الكافي للكليني ، مصدر سابق : كتاب التوحيد ، باب إطلاق القول بأنّه شيء ، ج 1 ، ص 83 الحديث : 6 .
( 5 ) تحف العقول ، مصدر سابق ، ص 327 .