خمسون خطبة عن التوحيد وما يرتبط به ، عدا ما هو مبثوث في الكتب والنصوص الأخرى .
لقد سعى الكتاب أن يهتدي في كلّ فكرة من أفكاره وخطوة من خطواته بنور المعرفة العلوية وأسلوبها في فهم التوحيد ، فاستطاع أن يرسو على طائفة من الأصول والمرتكزات هي من صميم المنهج العلويّ مباشرة أو مستمدة منه ومشيدة في ضوء قواعده ، نعرض في ما يلي لأمثلة سريعة منها :
1 - الأصل في المنهج التوحيدي القرآني توحيد الله سبحانه لا إثبات وجوده . فالمنهج القرآني في التوحيد غالباً ما يتجنّب البحث في إثبات وجود الله سبحانه ، بل يستنكر الشكّ في هذا الثابت الوجداني أَ فِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ( إبراهيم : 10 ) .
الإنسان مجبول على التوحيد وهو مودع في فطرته ؛ قال تعالى : فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ . . . ( الروم : 30 ) والأحاديث متظافرة في تفسير الفطرة بالتوحيد . إذن ، لا تواجه الإنسانية مشكلة إلحاد على المستوى النظري ليكون هناك ما يسوّغ تركيز الجهود على إثبات وجوده سبحانه . فالواقع الإنساني كان ولا يزال يعيش الإيمان بالله ، والموكب البشري متّجه صوب الإيمان أبداً .
وإذا كان ثمّ مشكلة تعيشها البشرية على هذا الصعيد منذ فجر وجودها حتى قيام الساعة ، فهي تكمن في إثبات التوحيد ونفي الشريك .
هذه الفكرة لخّصها المنطق العلويّ وأبان حلقاتها بالنصّ التالي الذي يطالعنا في أوّل خطب النهج :
« أوّل الدين معرفته ، وكمال معرفته التصديق به ، وكمال التصديق به توحيده » « 1 »
. على أنّ النصّ يكشف أن لا قيمة للمعرفة
هامش
( 1 ) نهج البلاغة ، مجموع ما اختاره الشريف الرضيّ من كلمات الإمام علي ، ضبط نصّه وابتكر فهارسه العلمية : د . صبحي الصالح ، بيروت ، 1967 ، الخطبة الأولى ، ص 39 .