وبذلك يكون عندنا في العلم الخاصّ جزمان لاجزم واحد ، وهما ثبوت المحمول للموضوع ، واستحالة انفكاك المحمول عن الموضوع . ومن هنا يمكن تسمية العلم العادي بالعلم البسيط لأنّ فيه جزماً واحداً ، وتسمية العلم الخاصّ بالمركّب لأنّ فيه جزمين .
وأمّا الظنّ فهو باصطلاح المناطقة ترجيح مضمون الخبر أو عدمه مع تجويز الطرف الآخر ، كما لو أخبرك شخص ثقة بوقوع حادثة معيّنة ، فهنا يحصل لديك الظنّ - 70 % فصاعداً - بوقوع الحادثة ، فإذا سئلت : هل تجزم بوقوع تلك الحادثة ؟ تقول : كلّا ، لأنّ المخبر وإن كان عادلًا وثقة ولكنّي أحتمل أن يكون قد وقع في توهمّ أو اشتباه أو نسيان أو سهو .
ولا شكّ أنّنا في الأمور الاعتقادية كما توجد عندنا قضايا قطعية كالاعتقاد بأصل المعاد جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ ( آل عمران : 9 ) ، فكذلك توجد عندنا مجموعة من القضايا لا تخرج عن دائرة الظنّ كما هو الحال في جملة من تفاصيل الحشر الأكبر وجملة من تفاصل البرزخ فإنّ ما وردنا في ذلك هو مجرّد أخبار ظنّية يُحتمل فيها الخلاف .
والآن وبعد هذه المقدّمة في معنى العلم والظنّ نصل إلى السؤال المفصلي والاهمّ وهو : أيمكن اعتماد الظنّ في الأمور الاعتقادية أم لا يمكن بل لابدّ من العلم ؟
فإن قلنا بإمكان اعتماد الظنّ هنا فإنّه لابدّ من تحديد دائرة الاعتماد هذه ، بمعنى : أيمكن اعتماد الظنّ مُطلقاً أم ضمن دائرة محدودة ؟
وإن قلنا بعدم إمكان اعتماده وإنّه لا بدّ من العلم ، فإنّنا لابدّ أن نُحدّد المراد من العلم هذا ، أهو العلم العادي - البسيط - أم العلم الخاصّ - المركّب - أم إنّ المسألة فيها تفصيل ؟
والإجابة عن كلّ ذلك تستدعي منّا تقسيم الأمور الاعتقادية إلى عدّة
كمال الحيدري (قراءة في السيرة والمنهج) — صفحة 409
مساهمون: حميد مجيد هدو
ص٤٠٩