والثاني : عدم انحصار الأعلمية بشخص واحد وإنّما اتّسعت لتشمل أكثر من متخصّص واحد ، فإن لوحظ وجود فارق محسوس بينهم فإنّه بطبيعة الحال ووفق مقتضى الاحتياط يتعيّن الرجوع إلى من هم في درجة أعلى ، وإن كانوا جميعاً ضمن طبقة واحدة بحيث يتعسّر وضع أحدهم في طبقة وآخر في طبقة أخرى ، وهذا لا يعني عدم تقدّم أحدهم على الآخر ضمن بُعد دون الآخر ، حيث يكون الآخر متقدّماً فيه ، وبعبارة منطقية : إنّ النسبة بينهما هي نسبة العموم والخصوص من وجه « 1 » ، ولذا فهم جميعاً يقعون ضمن دائرة أو طبقة واحدة ، وفي مثل هذه الحالة - وهي ممكنة بل واقعة أيضاً - يتخيّر المكلّف في الرجوع إلى أيٍّ منهم ، بل يمكن الرجوع إليهم جميعاً ، حيث يرجع إلى أحدهم في مسألة وإلى الآخر في مسألة أخرى .
والمساواة بينهم هي مساواة عُرفية وليست عقلية دقّية ، لأنّه من غير المعقول أن تجد اثنين متماثلين من كلّ جهة ، فإنّ حجم الثقافة ومستوى أساتذتهم ومتابعتهم وقُدراتهم وقابلياتهم الشخصية كالذكاء والاستيعاب ، كلّ ذلك له مدخليّة في تكوين شخصية كلّ واحد منهم .
ولكنّ هنالك رأياً آخر يقول بوجوب الاحتياط بينهم ، والذي نراه هو أنّ هذا الاحتياط أمر غير واقعي لأنّ المطلوب منّا هو السلوك العملي وأنّ الاحتياط في السلوك العملي - في كثير من الأحيان - غير ممكن ، ومن تصوّر انّه يستطيع البناء على الاحتياط في جميع أموره العبادية والمعاملاتية فهو متوهّم وسوف يقف عاجزاً عن تحقيق ذلك .
هامش
( 1 ) تكون هذه النسبة بين مفهومين يجتمعان في بعض المصاديق ويفترق كلّ منهما عن الآخر في مصاديق تخصّه ، كالطير والأسود فهما يجتمعان في الغراب الأسود لأنّه طائر وأسود ، ويفترق الطير عن الأسود في الحمام الأبيض ، ويفترق الأسود عن الطير في الصوف الأسود . راجع كتاب المنطق للعلامة محمّد رضا المظفر ، مصدر سابق : ج 1 ص 60 .