تخطي إلى المحتوى الرئيسي

كمال الحيدري (قراءة في السيرة والمنهج) — صفحة 403

مساهمون:

ص٤٠٣
صار هو متخصّصاً في ذلك المجال « 1 » ، فلا تنافي بين الثقافة العامّة والرجوع إلى المتخصص ، بل تلك سيرة العقلاء . نعم ، كلّما اتسعت دائرة التفقّه العامّ وازداد التعمّق فيه فإنّه يُوسّع دائرة الواضحات ، ويُضيّق من دائرة الرجوع إلى المتخصّص ، كما أنّه كلّما ضاقت دائرة التفقّه العامّ اتّسعت دائرة الرجوع إلى المتخصّص ، وهذا أمر واضح . وعليه فليس صحيح ما يُقال من أن التقليد يؤدّي إلى تجميد العقل ، فإنّ
هامش
( 1 ) نظراً لأهمّية الإشكالية - بل الشبهة - المطروحة في المقام وما أجاب به سيدنا الأستاذ الحيدري ارتأيت توضيح المسألة وما أجاب به - دام موفّقاً - بطريقة أخرى وهي : أنّ جملة من المثقّفين وحملة الشهادات الأكاديمية والتخصّصيّة في غير مجال الفقه يرون أنفسهم قادرين على تعيين تكاليفهم الشرعية والدينية عموماً دون الحاجة إلى الرجوع إلى أصحاب الاختصاص في ذلك أعني الفقهاء ، وهذه مغالطة واضحة ، فمَن مِن هؤلاء إذا مرض ولم يكن طبيباً لا يرجع إلى الطبيب المتخصّص في ذلك ، فلماذا لا يستغني بثقافته وتحصيله الأكاديمي عن الرجوع إلى الطبيب المختصّ ؟ ! بل إننّا نجد الأطباء أنفسهم ومن أصحاب الشهادات العالية جدّاً منهم ، بعضهم يراجع بعضهم الآخر إذا ما مرض بمرض هو خارج عن دائرة أو مجال تخصّصه ، وهنا لا يُوجد عاقل يُسفّه مثل هذا الرجوع فهو رجوع ممدوح وعقلائي جداً ، بل هو كاشف عن درجة سامية من الوعي والشعور بالمسؤولية تجاه النفس المحترمة والحرص على حفظها . والأغرب من كلّ ذلك هو أنّ جميع هؤلاء المستشكلين تجدهم يراجعون في غير اختصاصهم جميع أصحاب الاختصاصات الأخرى في تلبية حاجاتهم وهي على الأغلب بل كلها أمور دنيوية محضة ، وأمّا فيما يتعلّق بأمور دنياهم وأخراهم من أحكام شرعية ودينية فهم ينكرون على أنفسهم الرجوع في ذلك . وهنا نودّ أن نوجّه سؤالًا أخير إليهم وتحديداً لحملة الشهادات منهم : لماذا هذا السعي الحثيث منكم لتحصيل أعلى مراتب ودرجات الاختصاص في مجالاتكم ؟ أوَ ليس لأجل خدمة الإنسانية وذلك من خلال رجوع غير المتخصّص في مجالاتكم إليكم ؟ ثمّ أوَ ليس ممّن يُراجعونكم هم من حملة الشهادات والاختصاصات العليا أيضاً ؟ فإذا كان أصل رجوع غير المتخصّص في مجال إلى المتخصّص فيه وإن كان هو متخصصاً في مجال آخر ، أمراً غير مقبول عندكم ، فلماذا لا تنكرون على أولئك الذين يراجعونكم من حملة الشهادات العليا في اختصاصاتكم ؟ بل ما معنى سعيكم لكلّ تحصيلاتكم ؟ ولذا فما قيل هو مجرد شبهة يمكن إبطالها بشيء من التأمّل .