فالنصوص المتقدّمة لم تذكر التفقّه فقط وإنّما قالت : التفقّه في الدين .
إنّ قضية تحديد الاصطلاح قضية مهمّة جداً ، وهذا ما يدعو إلى التفكير جدّياً في قيام علم مهمّته دراسة المصطلح في الأجواء الخاصّة به وإلّا فإنّ كثيراً من الاشتباهات والخلط والمغالطات والاختلافات ناشئة من نحو فهم الاصطلاح ، فمراعاة الاصطلاح وحدوده يُقربنا كثيراً مما نُريد الوصول إليه ، وهو فهم التفقّه في الدين .
والآن لنعد إلى كلمات الراغب في « مفرداته » حيث يقول : « يُقال : فَقُه الرجل فقاهة إذا صار فقيهاً ، وفَقِهَهُ أي : فهمه ، وتفقّه : إذا طلبه فتخصّص به » « 1 » .
فالتفقّه يعني بذل جهد مضاعف بالاستعانة بأشياء حاضرة للوصول إلى أشياء غائبة وأنّه يؤدّي بدورهِ إلى وجود حالة من التخصّص في العلم الذي حصل عليه .
أمّا مصطلح الدين - وهو مصطلح قرآني أيضاً - ، فقد ورد في عشرات النصوص القرآنية ، منها : إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ ( آل عمران : 19 ) . وفي هذه الآية سؤال يطرح نفسه وهو : أيُراد من الدين هنا الإسلام الاصطلاحي فيكون في قبال الشرائع الأخرى ، أم يُراد منه الإسلام بمعناه العامّ - أي التسليم إلى الله تعالى - فتدخل جميع الشرائع السماوية الأخرى ؟
وأيضاً : وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ( آل عمران : 85 ) ، وغيرها من الآيات الكريمة التي أكّدت أنّ الإسلام هو الدين وأنّ الدين هو الإسلام . فما هو المراد من الدين ؟
عند مُراجعة المعنى اللغوي نجد معاني مُتعدّدة للدين ، منها الطاعة
هامش
( 1 ) مفردات ألفاظ القرآن ، مصدر سابق : ص 642 .