وهذا النوع من الكلام عن الطبقات ليس كلاماً إسلامياً ولا علمياً ، فكيف يوصف الأنبياء بالحكماء المتألّهين وهم غير باحثين ، فالأنبياء الصادقون الذين أنزلت عليهم الكتب من عند الله تعالى ، لا يصحّ وصفهم بغير الباحثين ، لأنهم في بحثهم عن الحقيقة وهم أنبياء لا يرقى إليهم أحد من أدعياء التأله والحكمة والبحث ، فما الحاجة لمثل هذه الأقوال التي لا دليل عليها من عقل ولا شرع .
مدرسة الحكمة المتعالية ( مشروعٌ للتوفيق بين البرهان والقرآن والعرفان )
قبل الخوض في معرفة فلسفة الحكمة المتعالية ، نجد أن العنوان الذي وضعه السيد الحيدري ، عنوان خاطئ ، إذ إن وضع القرآن الكريم في الوسط بين البرهان والعرفان ، يوحي بأن القرآن دون البرهان وأعلى من العرفان ، وكان الأحرى أن يكتب بأنه مشروع للتوفيق بين البرهان والكلام والعرفان ، أو كما فعل محمد عابد الجابري في تقسيم الأنظمة المعرفية إلى بيان وعرفان وبرهان . ولعل الصواب هو ما ذكره المؤلف أنها محاولة للتوفيق بين العقل والكشف والشرع « 1 » ، بمعنى التوفيق بين الفكر العقلي والفكر الصوفي والفكر العقدي .
واضع هذه المدرسة صدر الدين الشيرازي ( 1050 ه - ) ، وهي في تقدير السيد الحيدري مرحلة أرقى مما سبق ، أي أرقى من المدرسة المشّائية والكلامية والإشراقية ، بل موفَّقة بينها وشاملة عليها ، وهذه في الغالب من باب الأمنيات ، أو الرغبة عند المؤلف أن يقتنع القارئ بها ، ولكنها محاولة مجانبة للصواب ، لأنّ كلّ محاولة توفيقية فاقدةٌ للإبداع أولًا ، وتحاول إرضاء جميع الأطراف على حساب الحقيقة ثانياً ، وعاجزة أن تكون موقفاً فلسفياً متميزاً ثالثاً .
هامش
( 1 ) المرجع السابق ، ص 262 .