واستمرّت حركة الترجمة حتى ظُهور أبي نصر الفارابي الملقب بالمعلم الثاني ، وابن سينا الملقب بالشّيخ الرئيس ، لأنه رئيس المدرسة المشّائية في الفكر الفلسفي في العصر الإسلامي ، حيث استطاع هذان العلمان تطوير كثير من الأصول الفلسفية فيها بعد هضم تلك الفلسفات ونقدها ، حتى بلغت نضجها وكمالها المطلوب .
ولذا يرفض السّيد الحيدري تهمة الدكتور محمد عابد الجابري لابن سينا أنه من فلاسفة العرفان المعتقد بالكشف والشُّهود وأنّه لا يصحّ جعله في طبقة المؤمنين بالاستدلال العقلي « 1 » .
ويرى السَّيد الحيدريّ أن جميع الفلاسفة الإسلاميّين كانوا بصدد التّطبيق بين المقولات الفلسفيّة التي يؤمنون بها وبين معطيات الشريعة الإسلامية ، - وهناك شواهد كثيرة في كلمات هؤلاء الأعلام لا مجال لذكرها هنا - ولم يكن ذلك مقصوراً على الاتجاه الفلسفي في الفكر الإسلامي ، بل نجده واضحاً في الاتجاه الكلامي والعرفاني أيضاً . لأن هؤلاء جميعاً يؤمنون بالإسلام قبل أن يكونوا فلاسفة ومتكلمين وعرفاء « 2 » .
وفي تقديرنا أن هذا الرّأي من أفضل آراء الكتاب ، ويمتاز عن آراء المدارس الإسلامية الأخرى ، باحترام القراءات الفلسفيّة ، واعتبارها فكراً فلسفيّاً إسلاميّاً . ولكنّه يرى أن الفلسفة المشّائيّة لم يحالفها التوفيق كثيراً في هذا المجال ، وبالأخص في البحوث المرتبطة بعلم النّفس الفلسفي وعلم المعاد ، وكذلك ما يرتبط بالنشآت الوجوديّة التي سبقت عالمنا المشهود ، وغيرها من المسائل الأساسية الكثيرة التي أخفقت فلسفياً وعقلياً ، وهذا على عكس ما سنجده في مدرسة الحكمة المتعالية لصدر الدين الشيرازي ، حيث
هامش
( 1 ) المرجع السابق ، ص 204 - 213 .
( 2 ) المرجع السابق ، ص 205 .