تخطي إلى المحتوى الرئيسي

كمال الحيدري (قراءة في السيرة والمنهج) — صفحة 348

مساهمون:

ص٣٤٨
فالحضارات المتعدّدة ساهمت في بناء المعرفة العلمية عبر عمليات تلاقح ثقافيّ ، بحيث أضحى مفهوم العلم عمليّة ساهمت بها شتَّى الثقافات والحضارات ، ولم تعُد أسطورة المعرفة الغربيّة ذات الأصول الإغريقية سوى وهم أيديولوجيّ يهدف إلى الهيمنة والسيطرة والاحتكار من خلال مفهوم « إمبريالية العلم » « 1 » إلا أن المنهج العلمي يناقض جملة الأطروحات العنصرية ، ويعمل من خلال البحث عن الحقيقة على ترسيخ المعرفة العلمية ، ومع ذلك فلا يمكن القول بكونية العلم ونفي خصوصيته ، فقد أنتجت هذه الدَّعوى تحت شعار التَّحديث ، استعماراً مدمِّراً وتغريباً شاملًا « 2 » عمل على طمس الهويات الوطنية وتخريبها وتغريبها . ولعلّ السبب في حصول الاضطراب والبلبلة حول كونية المنهج ، وعالمية العلم هو الغفلة عن الإطار المؤسِّس للمنهج ؛ فالمنهاج هو الطريق الموصل إلى المقصد ، وبقدر اكتمال المقصد وبيانه يكون المنهاج المؤدّي إليه كذلك ، والمنهج ودراسته لا يمكن أن تكتمل إلا بالفطنة لما يمكن تسميته بما قبل المنهج ، أي الأساس الذي لا يقوم المنهج إلا عليه ، فالمنهج ينقسم إلى شطرين : شطر في تناول المادّة ، وشطر في معالجة التّطبيق « 3 » .
هامش
( 1 ) حول علاقة الثقافات والحضارات المختلفة في تأسيس المنهج العلمي والمعرفة ، انظر : الثقافة والامبريالية ، إدوارد سعيد ، ترجمة كمال أبو ديب ، دار الآداب ، بيروت ، الطبعة الثانية ، 1998 . ( 2 ) بذريعة شمولية المنهج العلمي ، شاع فكر القطيعة مع التراث عند معظم المتعاطين مع فكرة النهضة ، بحيث أصبح شعار القطيعة أساسًا لجُلِّ المفكرين العرب ، فقد انتهى هؤلاء إلى القول بوجوب متابعة نسق المنهجية والتجديد الغربي باعتباره ظاهرةً كونيةً ، تستند إلى علمية المنهج وتحقيق التّقدم والنّهضة للخروج من حالة التّخلف والتّأخر ، ومن أبرز ممثلي هذا التيار الدكتور عبد الله العروي ، وبدرجة أقل الدكتور محمد عابد الجابري الذي يطالب بالقطيعة مع العرفان والبيان والالتحاق بالبرهان ، وهو في نهاية المطاف لا يختلف عن العروي ، وكذلك الدكتور محمد أركون . ( 3 ) رسالة في الطريق إلى ثقافتنا ، د . محمود شاكر ، دار الهلال ، القاهرة ، أكتوبر ، 1987 ، ص 34 .