والإشراقي والصوفي ، أنّ المتصدّين لمعرفة حقائق الأشياء ، إمّا أن يبحثوا بحيث يطابق الظاهر من الشريعة في الأغلب فيُقال لهم ( المتكلِّمون ) ، وإمّا أن لا يراعوا المطابقة ولا المخالفة ، ] وحينئذ [ فإمّا أن يقتصروا على المجاهدة والتصفية فيُقال لهم ( الصوفيّة ) ، وإمّا أن يكتفوا بمجرّد النظر والبيان والدليل والبرهان ، فيُقال لهم ( المشّاؤون ) ؛ فإنّ عقولهم في المشي الفكري - النظر والفكر ، عبارة عن حركة من المطالب إلى المبادئ ، ومن المبادئ إلى المطالب - وإمّا أن يجمعوا بين الأمرين فيُقال لهم : ( الإشراقيّون ) ؛ لتجافيهم عن عالم الغرور واجتنابهم عن قول الزور ، مستشرفون إلى عالم النور ، فتشملهم العناية الإلهيّة بإشراقات القلوب وشرح الصدور » « 1 » .
ملخّص ما نقرأه عن هذه المدرسة في الكتاب أنّ جذورها الأولى تعود إلى رموز فلاسفة اليونان سقراط وإفلاطون وأرسطو ، وأنّها تعتمد المنهج العقلي في الكشف عن الحقيقة وإثباتها على أساس البرهان المنطقي .
وقد كان من قوّة هذه المدرسة أنّها استطاعت أن تهيمن لقرون على ثقافة الإنسان ، حتّى نفذت عبر الترجمة إلى بيئة الفكر الإسلامي ، فكان هَمّ المشتغلين الأوائل بشؤون الفلسفة من المسلمين ، أن يستفيدوا من مقولات هذه الفلسفة في تسليح وعيهم في الذود عن حياض الإسلام عقيدةً وشريعة ؛ إذ كان شاغلهم على مستوى العقيدة الدفاع عن الأصول من خلال الأبنية العقليّة ، أمّا همّهم على صعيد الشريعة فتمثّل بالسعي لإثبات عدم التعارض بين الفلسفة والشريعة ، وقد كان السعي الأوّل في هذا المجال ، يعود - في ما ذهب إليه باحثنا - إلى الكندي . وفي مرحلة لاحقة أكثر تطوّراً برز اسم الفارابي وابن سينا ، اللّذان استطاعا أن يهضما مشّائيّة أرسطو ، ويعيدا إنتاجها في إطار كيان فلسفي خاصّ ومميَّز داخل البيئة الإسلاميّة ، التي برز فيها
هامش
( 1 ) السبزواري ، شرح الأسماء الحسنى ، عن المصدر ، ص 198 .