على وجه التحديد إلى ازدهار مدرسة فلسفيّة انبثقت في إيران ، وانتسبت إلى صدر الدِّين الشيرازي ، عُرفت باسم الحكمة المتعالية ، ثمّ ظلّت مداراً للبحث الفلسفي على مدى قرون .
هذه الخصوبة والازدهار في الشأن الفلسفي والحياة العقليّة عبّر عنها كتاب السيّد كمال الحيدري ( مدخل إلى المدارس الخمس في العصر الإسلامي ) . وإذا كنّا قد أشرنا آنفاً إلى الإطار المنهجي العامّ الذي ينظّم هذه المحاولة ، فمن المفيد أن نوفّر للقارئ العربي نافذة على هذه المدارس الخمس تنفع المثقّف العام ، وقد تدفع المتخصّص بالدرس الفلسفي إلى استئناف نظر في دراسة بيئة النشاطات العقليّة في الحياة الإسلاميّة ، تنطلق الرؤية فيه هذه المرّة من الداخل ، بدلًا من أن تبقى الأنظار مشدودة إلى المعايير الآتية إلينا عبر مناهج المستشرقين ومقولاتهم .
المدرسة المشائية
نعيد التذكير إلى أنّ الكتاب الذي بين أيدينا يقوم على منهج يميّز بين الطريق المتّبع في الكشف عن الحقائق الوجوديّة ، وبين الأسلوب المتّبع في إثبات هذه الحقائق . وموطن الاختلاف هو في المرتبة الأولى ؛ أي في الجانب المعرفي ، والذي في ضوئه تميّزت خمس مدارس في الحياة الإسلاميّة هي : المشّائيّة ، والكلاميّة ، والعرفانيّة ، والإشراقيّة ، ومدرسة الحكمة المتعالية . أمّا في مستوى الإثبات فالملاحظ أنّ أتباع هذه المدارس يلجأون - إلّا ما شذّ ممّن لا يُعبأ لهم - إلى العقل ، وبالتالي فهم في اتّفاق على حجّية الدليل العقلي في هذا المستوى . على أنّ الباحث لا يغفل الإشارة في كتابه إلى أنّ هذا التصنيف كان منظوراً فيما سلف بين عدد من الباحثين منهم اللاهيجي في شرح رسالة المشاعر والسبزواري صاحب المنظومة الذي كتب في هذا المضمار يقول : « ووجه ضبط افتراق أهل العلم والمعرفة إلى المتكلّم والحكيم المشّائي