المناهج والدراسات . فمعطيات الجميع تصبّ في تراث المسلمين وثقافتهم من دون إسباغ العصمة على شيء ، وإنّما كلّ شيء في دائرة الممارسة الفلسفيّة قابل للنقاش ، والجيل المعاصر يمتلك حرّية الانتخاب . وهذه مسألة تختلف كما قلنا ، عن منهج الإلغاء والرفض الذي تلجأ إليه بعض الدراسات .
وعلى أساس الاعتراف بجهود الجميع في دائرة الممارسة الإسلاميّة ، أسّس الكتاب لرؤية اعترفت على حدٍّ سواء بجميع الاتّجاهات والمدارس ، والاعتراف هو شيء يفترق بمسافة واضحة عن القناعة والقبول والتبنّي .
بمعنى أنّ الباحث لم يلجأ لإلغاء الاتّجاه الكلامي لقناعته بالاتّجاه الفلسفي ، ولم يشأ أن يلغي الاتّجاه المشّائي في الفلسفة لكونه يتبنّى مدرسة الحكمة المتعالية ، وإنّما وضع جميع مناشط الممارسة المعرفيّة والفلسفيّة في سياق نظرة واحدة ، فانتهت الحصيلة لديه إلى الحديث عن خمس مدارس شهدها العصر الإسلامي ، هي : المشّائيّة ، والكلاميّة ، والعرفانيّة ، والإشراقيّة ، ومدرسة الحكمة المتعالية .
المعطى الآخر الذي ظهر في الكتاب هو توازن البحث إلى حدٍّ كبير وعدم انحيازه . وهذه سمة تميّز البحث في مستواه المعرفي عنه في المستوى المبدئي - أو الآيديولوجي كما يُقال في لغة الثقافة المعاصرة - . فالثقافة المعاصرة باتت اليوم ترسم حدوداً بين محض الدراسة المعرفيّة التي تتكفّل اكتشاف الأساس الذي يقوم عليه الفكر ، وبين تقييم الفكر والحكم عليه أو الجانب الآيديولوجي منه .
من هذه الزاوية حاول المؤلّف أن يستجلي الأساس المعرفي الذي تقوم عليه كلّ مدرسة من هذه المدارس من دون أن يتدخّل في الحكم ، وإن كان من السهل لمن يتابع سياق الكتاب ويقف على المقارنات التي يسوقها بين مدرسة وأخرى أن يكتشف أنّ قناعة باحثنا تتحرّك في الاتّجاه الفلسفي الذي
كمال الحيدري (قراءة في السيرة والمنهج) — صفحة 297
مساهمون: حميد مجيد هدو
ص٢٩٧