تتبّع كلمات روّاد هذه المدارس المعروفة : المشّائيّة والكلاميّة والعرفانيّة والإشراقيّة والحكمة المتعالية ، أنّ هؤلاء جميعاً كانوا متّفقين على حجّية الدليل العقلي ، ولكن في مقام إثبات حقائق الوجود للآخرين ، وإن اختلفوا فيما بينهم في الطريق الذي سلكوه للوقوف على تلك الحقائق واكتشافها » « 1 » .
والطريف الذي يمكن أن يؤكّد ما ذهب إليه الباحث من أنّ العقل هو القاسم المشترك بين جميع الاتّجاهات المعرفيّة والفلسفيّة التي شهدتها الحياة الإسلاميّة ، في مرحلة الإثبات وتأسيس المقولات والدفاع عنها أمام الخصوم ، هو المعارك التي نشبت بين رموز هذه المدارس واتّباعهم ، والصراع المستمرّ فيما بينها . فالمتكلّم كان يتحصّن بالعقل في الردّ على الفيلسوف ، والعارف كان يناهض الاتّجاهات الأخرى لا على أساس الاحتجاج بالكشف والشهود وإنّما بالعقل ومن خلاله . فما وقع بين الغزالي وابن رشد مثلًا في « تهافت الفلاسفة » ، و « تهافت التهافت » ، وما وقع بين الشهرستاني والطوسي في « مصارع الفلاسفة » و « مصارع المصارع » ، وما حصل بين الرازي والطوسي من انتقادات شديدة وجّهها الرازي إلى الشيخ الرئيس ابن سينا ، وتصدّي الخواجة الطوسي للردّ عليه ، كلّ هذه وغيرها تؤكّد في هذا المضمار حجّية الدليل العقلي في دائرة الإثبات وتوجيه الآراء ، ومواجهة الخصوم .
المعطيات
من النتائج التي ترتّبت على المنحى الذي اختاره المؤلّف في كتابه ، أن ينطلق أوّلًا وقبل كلّ شيء من الأرضيّة الإسلاميّة نفسها ، من دون أن يفرّق - على مستوى منهج الدراسة - بين مدرسة وأخرى واتّجاه وآخر ، ومن دون أن يلجأ إلى المبضع في تقطيع الأوصال وحذف الأعضاء كما يحصل في بعض
هامش
( 1 ) المصدر نفسه : ص 178 .