البرهاني بين مستويين من مستويات البحث .
وقد رام الكتاب أن يسجِّل لنفسه إنجازاً منهجيّاً في التمييز في مكانة العقل ودوره بين المستويين ؛ إذ رأى أنّ المدرسة الفلسفيّة أو المعرفيّة قد لا تتكئ إلى العقل في الكشف عن حقائق الوجود ، بيدَ أنّها تعود لتكون أشدّ ما تكون عقلانيّة في حقل إثبات مدّعياتها وتأسيس مقولاتها ، والدفاع عن آرائها .
هناك إذن فرق بين منشأ الحقيقة وبين إثباتها . فالمنشأ يختلف من مدرسة معرفيّة إلى أخرى ، أمّا الإثبات فهو عقلي لا يتخلّف فيه دور العقل أبداً ، يستوي في ذلك المشّائي الذي يعتمد العقل مصدراً للحقيقة وإثباتها ، والعارف الذي يعتمد الكشف والشهود مصدراً لحقائق الوجود ، ثمّ يلجأ إلى العقل لإثبات ما وصل إليه من خلال الكشف والشهود ، إلى الآخرين .
لا ينكر الباحث وجود شواذّ رفضوا حجّية الدليل العقلي في مقام الإثبات ، إلّا أنّ هؤلاء من القلّة بحيث لا يُعبأ بهم . في ضوء ذلك لم يحتج الباحث إلى استعارة معايير ومقايس منهجيّة من الدراسات الغربيّة مثلًا ، لكي يحلّ مشكلة توزّع الجهود المعرفيّة والفلسفيّة في الثقافة الإسلاميّة بين عرفاء ومتكلِّمين وفلاسفة ، فهو لم ينكر التوزّع ، وإنّما فسّره في التمييز الذي أقامه في ما يقوله كلّ اتّجاه أو مدرسة لدور العقل ومكانته في المستويين ( الكشف والإثبات ) . يكتب باحثنا : « هناك اختلاف وتعدّد في الرؤى الكونيّة بنحو قسمهم إلى متكلّمين وفلاسفة وعرفاء وتجريبيّين » وهذا يعود إلى : « اختلاف هؤلاء العلماء في المنهج المعرفي الذي لابدّ من اتّباعه لكشف حقائق الوجود والوصول إليها » « 1 » .
وفي نصّ أكثر دلالة على المراد يكتب المؤلّف : « اتّضح لنا من خلال
هامش
( 1 ) مدخل إلى مناهج المعرفة عند الإسلاميين ، السيد كمال الحيدري ، دار فراقد ، قم - إيران ، الطبعة الأولى ، 1426 ه - : ص 177 .