تخطي إلى المحتوى الرئيسي

كمال الحيدري (قراءة في السيرة والمنهج) — صفحة 292

مساهمون:

ص٢٩٢
واجهت هذه المقولة الاستشراقيّة العتيدة ردوداً متكاثرة في الوسط الإسلامي ، بيدَ أنّها استطاعت في نهاية المطاف أن تترك آثارها على دراسات الباحثين في العالم الإسلامي . وهذه الآثار وإن كانت متفاوتة في تأثيرها عقليّاً على قناعة الباحثين والدارسين ، إلّا أنّها استطاعت أن تنفذ إلى المناخ النفسي الخاصّ وتكبّل الباحث بإيحاءات لها دورها الخطير في سَوْق الدارس نحو هذه الجهة أو تلك . وبعبارة أوضح ، شكّل إصرار الاستشراق على مقولته هذه مناخاً نفسيّاً ضاغطاً كان له دوره في توجيه بحوث المسلمين في هذا المضمار باتّجاه الدفاع وردّ الفعل . فبدلًا من أن ينطلق الباحث المسلم من قناعة كاملة بوجود فلسفة إسلاميّة خاصّة نشأت وترعرعت ونَمَت في جوّ الثقافة الإسلاميّة ، تميّز بمقولاتها وأعلامها ، وكان لها خصوصيّة في الرؤية والموقف ، نراه يمارس البحث وأمام عينيه ضغوطات الموقف الاستشراقي الذي يفرض عليه أن يختار منهج الدفاع . وبديهي أنّ الاستقلال المنهجي في حقل الدراسة الفلسفيّة لا يمكن أن ينشأ بمعزل عن أوضاعنا في جوانب المعرفة الأخرى . ومعنى ذلك أنّ الاستقلال المنهجي في جانب من جوانب المعرفة يرتبط بالتقدّم الذي نحرزه في الجوانب الأخرى . والاستقلال المنهجي في العلوم يرتبط عموماً بوضعنا الحضاري العام . هذا هو المسار العام ، وإن كان يمكن أن يكون فيه استثناءات تشبّ عن الطوق ، وتسجّل ابتكاراً يحكي استقلال المنهج ، وصلابة الإيمان بالذات ، إذ ثمّة من الباحثين الإسلاميّين من يعيش حالة ثراء عقلي وإشباع نفسي يمنحانه حالة توازن تقوده لدراسة موضوعه بعيداً عن جذبات المقولة الاستشراقيّة . وربما استطعنا أن نعود بالريادة في مجال الدراسات الفلسفيّة داخل إيران التي تتّسم بهذا المنحى المتحرّر ، إلى السيّد محمّد حسين الطباطبائي ومن بعده