الأسلوب التركيبي
اتّضح لنا الأُسلوب المفرداتي والأسلوب التجزيئي والأسلوب الموضوعي ، وأمّا الأسلوب التركيبي فهو الأسلوب الجامع بين الأساليب المتقدّمة ، إما بصورة ثنائية أو بصورة ثلاثية ، فيكون المفسِّر مفسِّراً مفرداتياً تجزيئياً ، أو تجزيئياً موضوعياً ، أو مفرداتياً تجزيئياً موضوعياً ، وهذه التركيبة الثلاثية هي ما انتهى إليها السيد الأُستاذ ، حيث يرى بأنّ المفسّر الحقيقي ينبغي أن يبدأ في الرتبة الأولى بإبراز المداليل اللفظية للنصّ القرآني ، ثم بيان الموقف الآياتي المحدود والاحتفاظ به كقيمة معرفية قرآنية ستدخل فيما بعد في تشكيل
الموقف النهائي للقرآن الكريم ، ثمَّ يقوم بعملية التوحيد المداليلي للخروج بنتيجة نهائية بعد أن يكون قد حدّد موضوعاً خارجياً قبل شروعه بالعملية التوحيدية .
إنّ هذا الأسلوب التركيبي المزدوج ربما نلمس آثاره في معظم التفاسير الرئيسية عند الفريقين ، وإن جاء بنحو غير ملتفت إليه ، وأمّا الأُسلوب الثلاثي الأطراف فقلّ نظيره .
ومن الواضح أنّ أُسلوب التفسير التجزيئي هو الطاغي والحاكم على الجوّ التفسيريّ العامّ في عالم التفسير .
بمعنى : أنّ نسبة التفسير الموضوعي ضئيلة ومحدودة جدّاً لا تكاد تمثّل شيئاً أمام السواد الأعظم من النتاج التفسيري التجزيئي « 1 » ، كما أن الأُسلوب
هامش
( 1 ) لعلّ الأنس بعالم المادّة والحسّ يُوقف المفسِّر عادة على الأسلوب التجزيئي في التفسير ، بخلاف الأنس بعالم المجرّدات والمفاهيم والحدْس فإنّه يجعل المفسِّر أقرب إلى أسلوب التفسير الموضوعي ، فإذا عرفت أنّ الإنسان آنس بعالم المادّة منه بعالم التجرّد يتّضح لك ولو نسبياً سرّ التفاوت الكبير بين نتاج التفسير التجزيئي والنتاج الموضوعي ، وأمّا ما ذكره السيد الشهيد الصدر من أن هيمنة النزعة الروائية والحديثية أدّت إلى انتشار التفسير التجزيئي / / دون الموضوعي فهو مقبول إلى حدّ ما ، بمعنى أن النزعة الروائية عزّزت منهج التفسير الروائي في قبال منهج تفسير القرآن بالقرآن ، ومن الواضح بأنّ العملية التفسيرية لا تقتصر على التفسير الروائي ، هذا فضلًا عن الاشتباه الكبير الذي يقع فيه البعض من أن التفسير الموضوعي هو تعبير آخر عن تفسير القرآن بالقرآن ، وما ذلك إلا للخلط الواضح بين المنهج والأُسلوب من جهة ، ومن جهة أُخرى عدم تصوّرهم تعدّد المصادر الأولية التفسيرية التي يعتمدها التفسير الموضوعي .