يُتصوّر في حقّه أن يكون مفتقراً إلى الغير في بيانه وتفسيره . وكيف يُتصوّر ذلك في حقّه وهو مشتمل على الدلالات البيّنة والعلامات الشاخصة على معانيه ، والكشف عن أُمّهات المعارف الإلهية ولو بصورة إجمالية ؟ ! .
ولكن هذا التفرّد في اعتماد القرآن في تفسيره لا يلغي عنده الرجوع إلى المصادر الأُخرى لا سيّما الروايات التفسيرية ، ولكن هذا الرجوع الطولي أو الشبيه بالطولي لا يعدو أكثر من أداء الدور الثانوي في العملية التفسيرية ، بمعنى أنّ الرواية تؤدّي دوراً توكيدياً لما أسّسه الفهم القرآني للقرآن ، وربما تؤدي الرواية دوراً آخر وهو تعميق الفهم القرآني ، فالرواية كثيراً ما تُلفت النظر التفسيري إلى مراتب معرفية قد يعسر الوصول إليها بدونها .
وهذا الدور التوكيدي والتعميقي لا يُخرج الرواية عن دورها المداري ،
والمدارية في المقام اصطلاح خاصّ يقع في قبال اصطلاحات أُخرى تمثل بمجموعها النظريات المعتمدة في القراءة الدليلية للقرآن « 1 » ، وقد وجد السيد
هامش
( 1 ) عادة ما تُساق في المقام نظريات أربع ، وهي :
أنظرية محورية القرآن فقط ، ويُراد بها تفسير القرآن بالقرآن دون الرجوع إلى أمر آخر ، وقد يتبنّى هذه النظرية أصحاب شعار : حسبنا كتاب الله .
ب نظرية محورية السنّة ، ويُراد بها تفسير القرآن بالسنة الشريفة فقط لا غير ، وهؤلاء هم أنفسهم الذين أنكروا حجية ظواهر القرآن ، وهؤلاء المُسمّون بالأَخباريين بفتح الهمزة كما هو الصحيح ، وليس بكسرها كما هو المشهور ! القرآن عندهم مُفسّر للقرآن ولكن شرط أن يكون المفسّر هو المعصوم ، وما عداه ليس أمامه سوى السنّة .
ج نظرية محورية القرآن والسنّة معاً ، ويُراد بها اعتماد القرآن والسنّة الشريفة كمصدرين أساسين في العملية التفسيرية ، فالسنّة ليست مؤكّدة ولا مُعمّقة فحسب وإنما هي مصدر تفسيريّ أساسي .
د نظرية محورية القرآن ومدارية السنة ، ويُراد بها ما بينه السيد الأُستاذ أعلاه ، وهذه النظرية الرابعة هي النظرية المعتمدة عند السيد الطباطبائي في الميزان ، وفي هذا الكتاب . وقد ارتأينا الوقوف عند هذه النظريات الأربع بهذا القدر الموجز لدفع ما قد يعتمل في ذهن البعض من / / إلغاء دور السنّة الشريفة في العملية التفسيرية ، وهو ما نلمحه عند البعض ممن يلمز كتاب « تفسير الميزان » بذلك ، فالطباطبائي والسيد الأُستاذ في هذا الكتاب لا هما أصحاب شعار « حسبنا كتاب الله » ، ولا هما أَخباريّان ، ولا من أصحاب محوريّة القرآن والسنة الشريفة معاً .